الثلاثاء 16/يوليو/2024

المقاومة الفلسطينية.. وجدلية التسبب بضحايا مدنيين من شعبها!!

د. محسن صالح

خرج الجزائريون في 8 أيار/ مايو 1945، يحتفلون بهزيمة الألمان ونهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا، ويطالبون فرنسا بالوفاء بوعدها بالاستقلال، غير أن القوات الفرنسية قامت بارتكاب أحد أشهر المجازر في التاريخ الجزائري، التي عُرفت بمجزرة سطيف، وتشير المصادر الجزائرية لاستشهاد 45 ألف جزائري. وفي المقابل، يرى عدد من المؤرخين أن التأريخ للثورة الجزائرية التي اقتلعت الاستعمار الفرنسي بعد 132 سنة من الاستعمار، يبدأ من مجزرة سطيف التي شكَّلت عنصر إلهام وتفجير للثورة، وليس من الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 1954. فقد تابع الجزائريون تضحياتهم، وواصل الفرنسيون بطشهم ووحشيتهم، حتى استشهد أكثر من مليون شهيد معظمهم مدنيون، لينتزع الجزائريون استقلالهم.

وعلى درب الجزائر، يواصل الفلسطينيون ثوراتهم وانتفاضاتهم ومعاركهم على مدى 105 سنوات (من الاستعمار البريطاني والصهيوني)، مُصرّين على حقهم الكامل في أرضهم المقدسة المباركة.


إفشال كسر إرادة المقاومة بمجازر المدنيين:

ما أغلى قطرة الدم، وفي الفهم الإسلامي، فإن هدم الكعبة المشرفة حجرا حجرا أهون عند الله من إراقة دمِ امرئ مسلم. والشعب الفلسطيني شعب متفتحٌ محبٌّ للحياة، كما يحب أرضه ويعشقها، كما أن بنيته النفسية والاجتماعية مجبولة بالشرف والعزة والكرامة، ولكنه وُضع تحت الاحتلال الصهيوني تحت اختيارات قاسية، ففُرض عليه التهجير، واغتصبت أرضه ومقدساته، وضوعفت معاناته، وسعى العدو لإذلاله ولإفقاده حريته وكرامته، فكان لا بدّ من الثورة؛ لأن الحياة تفقد معناها والإنسان يفقد إنسانيته بلا وطن ولا أرض ولا عزة ولا كرامة.

في التاريخ الاستعماري على مدى قرون، يلجأ المستعمر عادة للانتقام من المدنيين نساء وأطفالا ومُسنّين، ويدمّر بيوتهم ودور عبادتهم ومدارسهم وثرواتهم؛ لأنه يعلم أن هذا نقطة ضعف لدى الشعوب، ليجبر الثورات على الاستسلام والرضوخ، وحتى يستأنف المستعمر استعماره، بعد تدمير الحاضنة الشعبية للثورة.

وقد يختلف البطش من مستعمر لآخر، كما قد يختلف الصمود من شعب لآخر، لكن المعادلة الأساسية للتحرير، هي أن تستمر المقاومة والبيئة الشعبية الحاضنة، وأن تُثبِتَ للمستعمر أن الضغط على المدنيين لن يوقف الثورة، وأنه لن يزيدها إلا قوة واشتعالا، وأن لا حلّ أمامه سوى الرحيل. ولو أن شعب الجزائر مثلا توقفوا (لا قدَّر الله) في منتصف مسيرة ثورتهم بعد استشهاد 400 ألف أو 500 ألف مدني، ونجح القمع الفرنسي، لربما ظلت الجزائر حتى الآن مستعمرة فرنسية!!

لقد خسر الروس (السوفييت) في الحرب العالمية الثانية نحو 12 مليون مدني، كان بينهم نحو مليون مدني في حصار النازيين المُروّع لمدينة لينينغراد (سان بطرسبرغ)، وخسر الفيتناميون نحو مليوني مدني في حربهم لتوحيد بلدهم في الفترة 1955–1975؛ وتشير بعض التقديرات إلى أن شهداء الأفغان المدنيين في مواجهة الغزو الروسي يصل إلى نحو مليونين، وأن أعدادا كبيرة لم تُحدد بدقة في مواجهة الاحتلال الأمريكي، كما زاد شهداء المدنيين في العراق عن 600 ألف تحت الاحتلال الأمريكي.

إنها معادلة صعبة قاسية مع مستعمر لا يعترف بقيمتك كإنسان، ولا بحقك في أرضك ومقدساتك، ولا يسمح لك بالحياة إلا ذليلا مهانا مستعبدا، ولكنك مجبر على خوضها لكنسه ولانتزاع حقوقك.

إذا لم تكن إلَّا الأسنة مركبا
فما على المضطر إلا ركوبها

المقاومة ضرورة في وجه مشروع صهيوني عدواني:

من ناحية ثانية، فإن المشروع الصهيوني بطبيعته مشروع عدواني استيطاني إحلالي توسعي، يسعى للاحتفاظ بالأرض والتخلص من السكان، وفي عقليته أن لا مكان في فلسطين لدولتين، ولا لشعبين متكافئين. وفي الأيديولوجية الصهيونية القائمة على العنف، فإن ما لا يتحقق بالقوة، يمكن أن يتحقق بمزيد من القوة. وإنشاء الكيان الصهيوني جاء بعد ارتكاب عشرات المجازر، وتنفيذ عمليات التطهير العرقي والتهجير بحق نحو شعب فلسطين، مع تدمير أكثر من 530 قرية وتجمعا فلسطينيا. وظلت المجازر وتهويد الأرض والإنسان سلوكا “طبيعيا” لدى الصهاينة طوال السنوات الـ75 الماضية.

وعلى سبيل المثال، فخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982 استشهد وجرح نحو 55 ألفا معظمهم من المدنيين. وفي الفترة منذ بدء انتفاضة الأقصى سنة 2000 وحتى شهر أيلول/ سبتمبر 2023، استشهد من المدنيين الفلسطينيين نحو 11,300 وجرح نحو 157 ألفا.

ولم يشفع للفلسطينيين مسار التسوية السلمية الذي تبنته قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية على مدى الأعوام الـ30 الماضية، واستخدمه الصهاينة غطاء لبرامج التهويد والاستيطان في القدس وباقي الضفة الغربية، كما ظل قطاع غزة يعاني أكثر من 16 عاما من الحصار الخانق، حتى تحوَّل القطاع إلى أكبر سجن مفتوح في العالم، دونما أفق.

لقد فشل مسار التسوية السلمية، وسقط حلّ الدولتين، واستمر سقوط آلاف الضحايا، ودخل مسار تهويد القدس وبناء الهيكل مكان المسجد الأقصى مراحل حاسمة، كما وضع الصهاينة في ترتيباتهم إنهاء المقاومة في غزة، ووقف نتنياهو على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي (أيلول/ سبتمبر 2023)، ليدعي أنه بالإمكان النجاح في التطبيع مع البلاد العربية، وتجاوز الملف الفلسطيني؛ حيث كانت الإرادة الصهيونية تسعى لعزل قضية فلسطين عن محيطها العربي والإسلامي، وفرض الرؤية الصهيونية في إغلاق الملف الفلسطيني.

وبلغ التجاهل العربي والإسلامي مداه، ولم تجد كل النداءات وكل أشكال التحذير الفلسطينية آذانا صاغية، بعد أن تُركوا وحدهم، فكانت عملية “طوفان الأقصى” ليتم فرض الأجندة الفلسطينية على العالم من جديد. وبقدر ما كانت العملية صاعقة مدوية مدمرة لنظرية الردع والأمن الإسرائيلي ولهيبة الكيان ولأساس وجوده، بقدر ما أحدثت التأثير المنتظر، وأنه لا يمكن تجاوز الشعب الفلسطيني وحقوقه.

وبالتأكيد، فالمشروع الصهيوني سيسعى لاستعادة بعض هيبته من خلال المذابح والمجازر في المدنيين، وبغطاء من حلفائه العالميين، ولكنه ثمنٌ يدفعه الشعب الفلسطيني المضطر إذا كان عدم أدائه معناه ضياع الأقصى والقدس وفلسطين، وتشريد وتركيع شعبها، وسحق المقاومة، وشطب أقدس وأعدل قضية على وجه الأرض.

المقاومة أكثر جدوى:

من ناحية ثالثة، فإذا ثبت أن مسار التسوية كان الوسيلة الأسهل والأسرع للصهاينة لتهويد فلسطين وإغلاق الملف الفلسطيني، فليس أمام الشعب الفلسطيني سوى المقاومة، وهي إما أنها مقاومة ستقود بشكل متدرج متصاعد إلى التحرير، وإما أنها ستكون مقاومة بشكل موجي تصعد وتهبط وتخوض جولات من المدّ والجزر، ولكنها لا تتوقف، وربما تدفع أثمانا غالية، خصوصا من المدنيين، غير أنها في محصلتها النهائية:

تُمضي سنة الله في هلاك الظالمين والمفسدين، وتحقق إرادة الشعوب، وأنه لا يضيع حق وراءه مطالب.

المقاومة تفضح بشاعة الاحتلال، وتكشفه عربيا ودوليا على حقيقته التي يحاول إخفاءها، حتى لو أدت لاستشهاد مدنيين.

المقاومة المستمرة تفقد الاحتلال الأساسيين الرئيسيين لوجوده واستقراره وهما الأمن والاقتصاد، مما يفقد جوهر فكرة وجوده كـ”واحة” للأمن والازدهار، وكبيئة جاذبة ليهود العالم. كما تفقده مبرر تقديم نفسه كشرطي للمنطقة، وكقوة حاسمة في الصراعات الطائفية والعرقية التي يسعى لافتعالها.

المقاومة تقطع الطريق على التطبيع والمطبّعين، وتفقد العلاقة مع الكيان مبرراتها، كما تقطع الطريق على محاصرة الملف الفلسطيني وعزله.

لو مضى مسار التسوية، وفرض الاحتلال رؤيته، سيظهر الشعب الفلسطيني وكأنه جرى استغفاله، أو فرّط في أرضه، وأن الاحتلال حقق أهدافه بثمن بخس دراهم معدودة، وسيصبح اتهامهم بالتخاذل أسوأ من اتهامهم بالتقصير في حقّ المدنيين في أثناء المقاومة.

مواجهة المجرم لا لوم الضحية:

من ناحية رابعة، فإن بعض أصحاب “العقول المستريحة” يفضلون توجيه اللوم للمقاومة بسبب خسائر المدنيين؛ دون أن ينتبهوا أن واجبهم هو الوقوف في وجه المجرم المعتدي وليس في وجه الضحية؛ وفي منع بطش الاحتلال بالمدنيين وليس في منع المقاومة عن ممارسة حقها وواجبها؛ خصوصا إذا كانت حاضنتها الشعبية المضحية صابرة محتسبة ملتفة حول المقاومة وبرنامجها.

المقاومة استنفدت أسبابها:

من ناحية خامسة، فالمقاومة في غزة، بذلت واستنفدت كل ما لديها من أسباب في بناء عناصر القوة، بالرغم من وجود بيئة عربية ودولية معادية ومخاصمة ومُحاصِرة، كما أعدت حاضنتها الشعبية بما تستطيع، وأعدت لطوفان الأقصى كل عناصر النجاح بحيث حققت العملية هدفها الأساس بشكل مذهل منذ اليوم الأول.

وبالتأكيد فقد كانت تتوقع عدوانا شرسا من الاحتلال، لكنْ، هناك أمور يصعب توقعها بدقة ليس لدى المقاومة فقط، وإنما لدى الأجهزة ومراكز الدراسات والمخابرات كافة في أقوى دول العالم. فقيام تحالف دولي بقيادة أمريكية، وتوفير غطاء كامل للمجازر الصهيونية، وتشديد السيطرة على الإعلام لنشر الرواية الصهيونية ومحاربة المحتوى الفلسطيني بشكل غير مسبوق، على وسائل التواصل؛ والتواطؤ والتخاذل العربي الذي لم يدفع البلدان المطبّعة حتى لمجرد طرد السفير الصهيوني أو استدعاء سفيرها، الذي منع حرية التعبير في التعاطف مع فلسطين في عدد من البلدان العربية؛ حتى سلطة التنسيق الأمني أدت دورها المتخاذل في الضفة الغربية. كل ذلك وصل إلى درجات غير مسبوقة، وكأن الجميع ينتظر بشوق لحظة الإجهاز على قوى المقاومة.

ولكن، بعد أن أدت غزة ما عليها وبذلت أسبابها، فلا تلام على ما اجتهدت فيه، وللمقاومة الكثير مما تقدمه، والأصل الوقوف إلى جانبها لا الاستعجال باللوم والإرجاف.

وبالتأكيد، فمدى بشاعة الاحتلال وإجرامه (وهو أمر يقرره الاحتلال نفسه، ويتحمل مسؤوليته)، كان أمرا يكاد يفوق التصور في الانتقام من المدنيين، واستخدام متفجرات يزيد مجموع قوتها التفجيرية عن القنبلة النووية التي أسقطت على هيروشيما بحسب خبراء، ومع ذلك فإن الاحتلال حتى اليوم الحادي والعشرين لم يجرؤ بعدُ على منازلة المقاومة في الميدان.

صناعة التاريخ:

وأخيرا؛ سادسا، فإن صناعة التاريخ لا يقوم بها الذين يحققون الانتصارات، وإنما أيضا الرموز المضحون وأصحاب الرسالات (من المدنيين) ممن يستشهدون لأجل مبادئهم، ويصبحون منارات هادية ومصادر إلهام لشعوبهم، فتتبع نهجهم، حتى تنتزع حريتها وتحرر أرضها.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات