عاجل

الأحد 14/يوليو/2024

الأولويات الفلسطينية أمام تحديات العدوان!

ماجد إبراهيم

يستمرّ التهديد الإسرائيلي باجتياح مدينة رفح جنوبي غزة ما لم توافق حماس والمقاومة على صفقة أسرى لا تلبي كل المطامح الفلسطينية، فيما يرفض الاحتلال الموافقة على وقف العدوان والانسحاب الشامل من قطاع غزة في ظلّ مناداة نتنياهو بالنصر الكامل الذي يوجب عدم وقف الحرب حتى اجتياح رفح.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى فهم واقع العدوان بعد أكثر من 200 يوم على بدئه، والأولويات الفلسطينية لمواجهته، في ضوء المعطيات الفلسطينية والعربية والدولية.

يريد العدو وحليفه الأميركي؟

لقد تعرّض الكيان في 7 أكتوبر/تشرين الأول لهزيمة غير مسبوقة في تاريخه، فقدَ بها مكانته الإستراتيجية كحصن متقدم للغرب، وعلى الأخصّ الولايات المتحدة، كما تعرّضت الكرامة الوطنية للإسرائيليين للطمة كبيرة لم يصحُ منها المجتمع الإسرائيلي حتى الآن. ولذلك، وبصرف النظر عن الخلافات والتباينات، ووجود مطالبات متصاعدة من أهالي الأسرى لدى المقاومة بوقف الحرب، فإن الغالبية العظمى من الشارع هي مع استمرار القتال إلى حين تتحقّق صورة نصر، يلعب عليها نتنياهو ويستغلها للبقاء في الحكم أطول فترة ممكنة، حتى لا يتعرض للمحاكمات.

ولكن في المقابل واجه جيش الاحتلال فشلًا ذريعًا في تحقيق هدفَي القضاء على حماس وتحرير الأسرى، وهو الأمر الذي لا يزال ينخر في المجتمع، ويعمّق الخلافات السياسية داخل الحكومة، وبينها وبين المعارضة وأوساط السياسيين والخبراء العسكريين، لجهة استبدال أولويات الحرب بالتركيز على إنجاز صفقة تبادل، وتأجيل هدف القضاء على حماس.

ومع مرور الزمن، تترسّخ القناعة داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية، ولدى الداعمين الأميركيين، أنه لا يمكن القضاء على حركة متجذرة في الأرض الفلسطينية وخارجها، بما يعزز الخلافات الداخلية والخلافات مع الداعم الأميركي.

وتؤكد شهادات أجهزة استخبارات الولايات المتحدة أن الاحتلال واجه فشلًا حقيقيًا بغزة، وأن الزمن لا يعمل لصالح هدف تفكيك حماس، وأنه لا بد من العمل على حل سياسي (الدولة المستقلة)، الذي سيمكن السلطة الفلسطينية من خلافة حماس في غزة، ويهيئ الأجواء لعملية التطبيع في العالم العربي.

وليس ذلك فقط، بل إن الكيان واجه مشكلة نزوح باضطراره لإجلاء نحو 100 ألف إسرائيلي من مستوطنات غزة ومستوطنات الشمال، فضلًا عن الخسائر البشرية الفادحة، ما بين قتلى وجرحى يحاول التقليل من أعدادهم، إضافة للخسائر الاقتصادية، وتخفيض مكانته الائتمانية العالمية، واستمرار حاجته للذخائر والقذائف من الولايات المتحدة، مع قيام بعض الدول الأوروبية بحظر تصدير الأسلحة له، الأمر الذي يحدّ من إمكانية استمراره بالحرب على هذه الوتيرة!

أما إدارة بايدن، فترى أنه من الضروري تهيئة الأجواء لوقف نار مستدام (وليس دائمًا)؛ لإنجاح عملية التطبيع في المنطقة، التي تشكل إنجازًا مهمًا يستطيع بايدن أن يقدمه بين يدي الانتخابات الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني، هذا العام.

وهذا يعني الوصول لفترة هدوء طويلة نوعًا ما تؤدي إلى امتصاص الغضب الجماهيري في الغرب وأميركا ضد ممارسات الاحتلال، وتمنع تطور الحرب إلى حرب إقليمية، ولتمرير موضوع التطبيع، وإيجاد دور معين للدول العربية أو هيئة دولية تحكم قطاع غزة تحت الإدارة الأمنية الإسرائيلية، واستمرار دور الاحتلال في استهداف المقاومة على المدى الطويل.

ويقتضي هذا عدم القبول بمطالب المقاومة لوقف الحرب والانسحاب الكامل من غزة، والسعي لهدنة مؤقتة يتم من خلالها تحرير عدد من الأسرى في المرحلة الأولى، وكل الأسرى في المرحلة الثانية، وهو ما يعد بمثابة فخّ يراد نصبه للمقاومة؛ لحرمانها من تحقيق أي انتصار سياسي، يحقق المحافظة على حقوق الشعب الفلسطيني، والعودة بالقضية إلى ما قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول على الأقل، ويسمح باحتفاظها بسلاحها، واستمرار دورها السياسي المؤثر في الساحة الفلسطينية.

خلافات

غير أنّ من المهم ملاحظة الخلافات الأميركيّة الإسرائيلية في طريقة إدارة الحرب. إذ أصرّ نتنياهو على تعطيل التوصل لاتفاق تبادل من خلال التشدد في المفاوضات، ودفع المقاومة لرفض مقترحاته، بما يرسل رسالة لجمهور أهالي الأسرى الغاضبين بأن حماس هي من تعطل الصفقة، وأنه في كل مرة يقدم التنازل دون جدوى.

كما تمادى نتنياهو في استهداف المدنيين، رغم التحذيرات الأميركية، فاستهدف الفلسطينيين الذين هُرعوا لتسلُّم المساعدات ليقتل منهم أكثر من 100، ثم ما لبث أن استهدف قافلة المطبخ المركزي العالمي ليقتل منهم 7، والذي كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.

والحقيقة أن الإدارة الأميركية دعمت وما زالت تدعم الحرب على حماس، ولكنها وجدت أن نتنياهو باستمرار ارتكابه جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية، وضربه عرض الحائط بمطالبها، إنما يزيد من حدة الانتقادات الدولية للحرب، ويغذّي المعارضة الكبيرة في الحزب الديمقراطي لاستمرار الدعم العسكري اللامحدود للكيان، بما يؤثر على القاعدة الانتخابية لبايدن.

ومن المهم الإشارة إلى أن بايدن لا يختلف مع إسرائيل كدولة، وهو الذي اعتبر نفسه صهيونيًا، وإنما يختلف مع نتنياهو كشخص يقود هذه الدولة. فضلًا عن أن نتنياهو يسعى لإحراجه والإطاحة به على أمل أن يفوز غريمه دونالد ترامب الذي يعتقد أنه سيتماهى أكثر مع الحكومة الإسرائيليّة.

وبايدن على قناعة أن هذه الحكومة التي يهيمن فيها المتطرفان بن غفير وسموتريتش لن تتمكن من السير مع المنهج الأميركي الداعي لتأمين المنطقة بعملية سياسية تهيئ للإدارة الأميركية التفرغ لمواجهة الصين وروسيا، ولكنه لا يبدو قادرًا على التأثير عليها من الداخل لتفكيكها وإسقاطها، وهذا ما يجعل الأزمة مستمرة بين الطرفين، خصوصًا مع عدم تمكن شخصية مثل رئيس معسكر الدولة غانتس المقرب من واشنطن والمنافس لنتنياهو من إحداث الخلخلة المطلوبة لإسقاط نتنياهو.

وفي هذا السياق، جاءت انتفاضة الجامعات الأميركية التي زادت من إحراج بايدن، وشكلت ضغطًا إضافيًا عليه للسعي لإنجاح صفقة تبادل وهدنة. غير أن نتنياهو لا يبدو أنه سيقلع عن ألاعيبه وتشدده في المفاوضات، وإن كان أبدى مرونة شكلية.

غير أن التعامل بعنف مع الاحتجاجات المتصاعدة في الجامعات، سيؤدي إلى المزيد من التراجع في شعبية بايدن، الذي بدا وكأن إدارته تستجيب لضغوط حكومة نتنياهو بالتصدي لهذه الاحتجاجات، تحت حجة معاداة السامية.

كما أن تصاعدها واستمرارها سيكون لهما تأثير سلبي على إدارة بايدن في حال استمرار العدوان واجتياح رفح، فضلًا عن التأثير المستقبلي لهؤلاء الشبان، خصوصًا في نخبة الجامعات الأميركية التي تخرج قيادات ومسؤولين أميركيين، بما يؤشر على تراجع نفوذ اللوبي اليهودي الذي ينفق مئات المليارات من الدولارات لتكريس رواية المظلومية للشعب اليهودي.

الأولويات الفلسطينية
ألحق العدوان خسائر فادحة في الأرواح (أكثر من 34 ألف شهيد وأكثر من 77 ألف جريح) وترك جرحًا غائرًا في الواقع والذاكرة الفلسطينية لا يمكن الاستهانة به، كما ويستمر في إحداث معاناة فلسطينية مستمرة، فضلًا عن الدمار الذي لحق بالبنية التحتية التي ستحتاج سنوات طويلة لإعادة بنائها، غير أن الاحتلال فشل في تحقيق أهدافه الكبرى بإخضاع المقاومة، أو تركيع الشعب الفلسطيني، أو حتى دفعه للتمرد على المقاومة. وظهر ذلك واضحًا من خلال فشله في استمالة العشائر أو حتى تمكين عناصر من المخابرات الفلسطينية التابعة لسلطة رام الله من العمل على توزيع المساعدات في غزة، تمهيدًا لتسليمها الأمن هناك.

ويؤكد ذلك أن المقاومة رغم الضربات القاسية التي تعرضت لها لا تزال تمسك بزمام الأمور على الأرض، بما يحبط أي محاولة لتمكين أي جهة فلسطينية أو غير فلسطينية للحلول محلها.

وتأتي محاولات ترتيب صفقة أسرى من قبل الإدارة الأميركية؛ لقناعتها أن العدوان لم يحقق أهدافه، فيما تتحدث تقديرات إسرائيلية أن جيش الاحتلال يلعب في الوقت الضائع؛ لأنه لم ينجح في إنهاء المقاومة التي تعود للتصدّي له في كل مكان يخرج منه.

وبالنسبة للمقاومة فهي تتعامل مع أي جهد سياسي يخفّف عن أبناء الشعب الفلسطيني، ولكنها تتعامل مع المبادرات بحذر شديد، وتحاول التأكيد في كل مرة أنها لن تتنازل عن وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، بالإضافة إلى تأكيدها على مطالب الإغاثة وإعادة بناء غزة، ولا تنسى السعي لإطلاق سراح الأسرى من سجون الاحتلال.

وتبرز هنا بعض الأصوات التي تطالب بمراعاة الأوضاع المأساوية للشعب الفلسطيني، والموافقة على أية صفقة معقولة لوقف الحرب، وهو مطلب عادل ومفهوم. ولكن المقاومة تتحسب من الأفخاخ التي تنصب لها، والتي يحاول الاحتلال من خلالها الحصول على أسراه ومحاولة تفريغ المقاومة من عناصر قوتها ثم استئناف العدوان.

يصرّ العدو حتى الآن على اجتياح رفح بعد الانتهاء من المرحلة الأولى التي تشمل الإفراج عن عدد أقل من المدنيين، و5 جنديات، مقابل إفراج الاحتلال عن مئات المدنيين ومعتقلين من ذوي الأحكام العالية، بالإضافة إلى السماح بعودة النازحين إلى شمال غزة، والتوسع في إدخال شاحنات الإغاثة وتوفير الكرافانات والخيم اللازمة لإيواء الفلسطينيين الذين دُمرت منازلهم.

تراجع مكانة الاحتلال ستؤدي حتما لتراجع مكانة من يرعاه، وهي الولايات المتحدة خصوصا وأن زمن القطبية الواحدة انتهى. وبإمكان الفلسطينيين الاستفادة من التنافس الدولي، ودور كل من روسيا والصين في تأمين غطاء للحقوق الفلسطينية

ولذلك تصرّ المقاومة على مطلبين أساسيين؛ هما وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وهي لا تقبل بمجرد وعود، وتصر على وجود ضمانات بتحقيق ذلك من الوسطاء والرعاة؛ لأن التهاون في هذا المطلب يعني تضييع مكاسب 7 أكتوبر/تشرين الأول، والسماح للعدو بالاستمرار باحتلال غزة، وجعلها مثل نموذج الضفة الغربية.

كما أن المقاومة لا تتفاوض من موقع ضعف، فهي تستمر في ملاحقة جيش الاحتلال وتنفيذ الكمائن القاتلة له على طول وعرض القطاع، وتستمر بقصف آلياته وتجمعاته، وتطلق الصواريخ على مستوطنات غلاف غزة. وإن أقدم الاحتلال على اجتياح رفح في ضوء القيود الأميركية المفروضة عليه، فلن ينجح في كسر شوكة المقاومة، كما لم ينجح في ذلك في بقية مناطق غزة. وسيفشل مخطط التهجير؛ بسبب صمود الفلسطينيين ومعارضة مصر لذلك؛ لأسباب تخص أمنها القومي، وإن كانت ستتعامل مع موجات نزوح محدودة.

وحماس وإن كانت معنية بالتخفيف عن حاضنتها الشعبية، لكنها لا تنسى الأهداف الكبرى للشعب الفلسطيني بالتخلص من الاحتلال، وحماية الشعب الفلسطيني.

ولا شك أن المراهنة هي على صمود الشعب الفلسطيني الذي أظهر صلابة وصبرًا كبيرَين، فضلًا عن دعم المقاومة وتأييدها، مقابل انقسام وهزيمة نفسية وعملية في صفوف الاحتلال، الذي لن يستطيع إكمال العدوان إلى ما لا نهاية أمام صمود وبطولة فلسطينية منقطعة النظير، واستمرار تكبده الخسائر على كل الصُّعد، وخسارته التأييد الدولي الذي كسبه بعد “طوفان الأقصى”.

كما أنَّ الوقت المتاح للاحتلال لإنجاز أهدافه يضيق أمام حليف يريد منه إنجاز المهمة وبأقل الخسائر وفي مهلة لا تتعدى شهورًا، وأمام تراجع الدعم الغربي له وانقلاب الرأي العام العالمي عليه، واستدعائه لمحكمة العدل الدولية، واحتمال طلب اعتقال قادته بأوامر من المحكمة الجنائية الدولية.

وقد رأينا كيف أن المتغطرس نتنياهو اضطر للتراجع مرات عن مواقفه المتشددة في مفاوضات الأسرى أمام تمسك المقاومة بموقفها، مع مرونة مناسبة في القضايا التي لا تؤثر على مطالب وقف الحرب والانسحاب إلى حدود ما قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول.

المقاومة وزمام المبادرة
ليس أمام الشعب الفلسطيني الذي خاض ويخوض ملحمة بطولية أمام عدو غاشم مجرم إلا الصبر والعض على الجراح والاستمرار بالصمود والتمسك بحقوقه، وعدم تفويت الفرصة التي تحققت بـ “طوفان الأقصى”، والتي وضعت القضية الفلسطينية وبقوة على الأجندة الدولية، وأظهرت مشروعية مقاومته، واستحالة تجاوز حقوقه ومطالبه، مع تراجع مكانة الاحتلال، وتصاعد الضغوط عليه للتعامل مع حقوق الشعب الفلسطيني.

غير أن التحدي الداخلي الفلسطيني يظل كبيرًا، أمام سلطة خذلت نضال الشعب وبقيت في صف المتخاذلين والمتآمرين على المقاومة والمتربصين بها، ومنعت الشعب الفلسطيني في الضفة من الالتحام مع المقاومة بغزة.

ويتطلب هذا من القوى الفلسطينية التي تؤمن بالمقاومة أن تحسم أمرها وتتسلّم زمام المبادرة لتشكيل جبهة وطنية، سواء كان ذلك تحت غطاء منظمة التحرير أو بغيرها في حال تعذر ذلك؛ بغية تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، وتفعيل دور الضفة في المقاومة، والتصدي لكل محاولات تمييع النضال الفلسطيني أو التساوق مع مشاريع تصفية القضية التي يسوق لها بغطاء من عربي.

لقد انتهى ذلك العهد الذي تتحكم فيه فئة من الشعب الفلسطيني تحت مظلة الاحتلال، وحان الوقت للبناء على ما حققه “طوفان الأقصى” والمقاومة الباسلة؛ لرفع سوية النضال الفلسطيني، بالاستفادة من الغطاء الشعبي العربي، والتفاعل الدولي مع قضية الشعب الفلسطيني العادلة.

وسيكون ذلك كفيلًا بمنع أي تجاوز للشعب الفلسطيني، والقفز عن حقوقه لصالح عملية التطبيع التي قد تنتهي بتحالف عربي صهيوني.

إن تراجع مكانة الاحتلال سيؤدّي حتمًا لتراجع مكانة الراعي له، وهي الولايات المتحدة، خصوصًا أن زمن القطبية الواحدة انتهى. وبإمكان الفلسطينيين الاستفادة من التنافس الدولي، ودور كل من روسيا والصين في تأمين غطاء للحقوق الفلسطينية، وتشكيل حائط صد للتغول الأميركي. ودعونا نتذكر أن الفيتو الروسي مدعومًا من الصين حال دون شنّ حرب كونية على حركة حماس، كان من شأنها أن تحولها لـ “داعش” جديد، وذلك على الرغم من الأمل بدور أكثر فاعلية لكل من روسيا والصين.

ومن المؤمل أن يعزز “طوفان الأقصى”، الحراك في الشارع العربي باتجاه تفعيل الحراك الشعبي الداعم للمقاومة، بعد أن نجحت المقاطعة للكيان وداعميه، وباتجاه تكثيف الضغوط على الأنظمة؛ لتعديل وتحسين مواقفها تجاه المقاومة وحقوق الشعب الفلسطيني، وهو ما قد يفتح نافذة كبيرة لتعزيز الموقف الفلسطيني المساند للمقاومة، ويعطيها دفعة كبيرة للأمام.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات