الأحد 19/مايو/2024

زيارة حماس لتركيا.. “لا تغيير للمعادلات” والأولوية وقف شلال الدمّ في غزة  

زيارة حماس لتركيا.. “لا تغيير للمعادلات” والأولوية وقف شلال الدمّ في غزة  

غزة – المركز الفلسطيني للإعلام

أثارت زيارة وفد حركة المقاومة الإسلامية حماس برئاسة إسماعيل هنية إلى تركيا والاستقبال الحافل للوفد من قبل الرئيس رجب طيب أردوغان “شهية المحللين السياسيين” والمراقبين، لقراءة ما بين “سطور” هذه الزيارة، لا سيما في ظل التوقيت بالغ الحساسية الذي جاءت فيه خاصة مع ما تتعرض له غزة من عدوانٍ صهيونيٍ متواصلٍ، وما يدور مؤخرًا من لغطٍ واسعٍ حول “الوساطة القطرية” ومراجعتها، وكذلك نتائج الانتخابات البلدية التركية وربط تفاعلاتها بمواقف القيادة التركية من القضية الفلسطينية وما نجم عنها من مراجعات تحدثت عنها القيادة التركية علنًا.

وعلى الرغم من أنّ الأسباب التي طرحت للنقاش في الفضاء العامّ كانت كثيرة، وبعضها حمل شيئا من المنطق والموضوعية إلا أنّ كثيرًا منها كان يذهب لـ “التغميس خارج الصحن” بحسب مراقبين، خاصة ما تعلق منها بمزاعم سعي حركة حماس إلى نقل مقرها من قطر إلى تركيا، الأمر الذي سارعت الحركة لنفيه والتأكيد على أنّ هذا الأمر ليس في واردها اليوم.

وفي هذا السياق قال رئيس حركة المقاومة الإسلامية حماس بالضفة الغربية زاهر جبارين إن الأخبار المتداولة عن نقل مكاتب الحركة من قطر إلى تركيا غير دقيقة، وشدد على أن حماس لن تنقل مكاتبها إلى أي مكان خارج الدوحة.

وأكد جبارين في تصريحات صحفية أن هذه الأخبار مردها والهدف من ورائها “الضغط الإعلامي على الحركة”، مشيرا إلى أن حماس لها مكاتب عاملة في إسطنبول منذ نحو 10 أعوام، وما زالت مستمرة في عملها حتى اليوم.

وفي ما يتعلق بنتائج الزيارة التي قام بها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية إلى تركيا، واستقبال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان له، قال جبارين إن هذه الزيارة نتجت عنها مجموعة من القرارات، منها ممارسة تركيا ضغوطا بما لديها من أدوات سياسية ودبلوماسية من أجل وقف شلال الدم في قطاع غزة، والعمل من أجل وقف إطلاق النار.

وفي سياق قراءة الزيارة وما تحمل في طياتها، أكد الكاتب والمحلل السياسي أدهم أبو سلمية في تعليقه على الزيارة بالقول: إنّ هذا أول لقاء رسمي معلن بين رئيس التركي رجب طيب اردوغان، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس القائد المجاهد إسماعيل هنية “قائد المقاومة الفلسطينية”، كما وصفه أردوغان.

وقال أبو سلمية: إنّ اللقاء جاء في تقديري بعد جملة تطورات لكن أهمها في تقديري هو صمود شعبنا الأسطوري وعدم انكسار المقاومة والالتفاف الشعبي حول خيار المقاومة والذي برز جزء مهم منه في تركيا نفسها خلال الانتخابات الأخيرة.

وأضاف بالقول: بالنسبة لنا كفلسطينيين؛ الدور التركي مهم وكل دور عربي وإسلامي ودولي مهم، ونحن نعمل سياسياً على قاعدة تعزيز وتعظيم الحلفاء والأصدقاء والأنصار بما يخدم قضيتنا وشعبنا، والمواقف العربية والإسلامية إذا تكاثفت وشكلت تكتلا فإن فعاليتها ستكون أكبر وأقوى..

من جانبه يرى الخبير في الشأن التركي وأستاذ العلوم السياسية الدكتور محمد أبو رمّان أنّ هذه الزيارة ليست بالجديدة، فالعلاقة بين حماس ظلت مستمرة وهناك تبادل للزيارات والنقاشات حتى بعد السابع من أكتوبر، حيث قابل عددٌ من قيادات حماس الرئيس رجب طيب أردوغان وتناقشوا معه حول تداعيات السابع من أكتوبر.

وأضاف في مداخلة إعلامية: لا أعتقد أنّ الرئيس أردوغان على الصعيد الشخصي غير موقفه من حركة حماس والتقارب العاطفي والسياسي والفكري معها، لكن حسابات السياسات التركية تغيرت، اليوم هذه مواقف عاطفية ومواقف شخصية، لكن تركيا الواضح تماما أنها انسحبت بدرجة كبيرة من ملفات المنطقة وتركيزها على مصالحها القومية والشمال السوري ومشكلة الأكراد والشأن الداخلي، فهذه أولويات السياسة التركية في المرحلة القادمة.

ولفت إلى أنّ “المعنى، الرئيس أردوغان كشخص ما يزال على علاقة جيدة بقادة حماس وينصحهم بشكلٍ خاص وبشكل شخصي، يتناقش معهم ويتواصل معهم ويحاول أن يساعد الحركة بقدر ما يستطيع على الصعيد الشخصي”.

واستدرك أبو رمّان بالقول: أما على صعيد السياسات والحسابات التركية فإنّ الأمور اختلفت منذ العام ٢٠٢٠، بدأت تركيا تعيد ترتيب حساباتها وأوراقها وخاصة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة كان واضح تماما شهدت تحولات في الموقف التركي تجاه المنطقة وتحديدًا تجاه القضية الفلسطينية، ولاحظنا كيف أنّ الرئيس الإسرائيلي زار تركيا في تلك المرحلة.

وخلص للقول إنّ “الحسابات التركية متغيرة ومتقلبة وهي براغماتية متعلقة بمصالح تركيا القومية ومصالحها الخارجية، على أي حال لا أعتقد أنّه سيكون أي تأثير على موازين القوى في زيارة حماس لتركيا”.

أمّا الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة، فعلق في تدوينة له على منصة “إكس” حملت عنوان: (عن “حماس” ومغادرة قطر ودور تركيا وضغط واشنطن والصهاينة وقصة الوساطة).

وأضاف الزعاترة بالقول: تجمّعت جملة أخبار فرضت نفسها وأثارت الكثير من الأسئلة، بدأت بالردود القطرية غير المسبوقة على الهجمات الصهيونية والأمريكية عليها، والتي كانت الدوحة تتجاهلها في السابق، ومن ثم تلويح “آل ثاني” بوقف الوساطة بعد هستيريا أمريكية من رد “حماس” على الورقة الأخيرة، والذي بقي هو ذات الرد على الورقة السابقة، رغم اعتقاد أتباع الكيان في إدارة بايدن بأن فيها ما يستحق النظر.

وتابع الزعاترة: ثم جاءت زيارة وزير خارجية تركيا للدوحة ولقائه المطوّل مع قيادة “حماس”، ومن ثم اللقاء المُرتقب لإسماعيل هنية مع أردوغان، لتضيف الكثير من الأسئلة، لا سيما في ظل تزامنها مع تسريبات عن بحث قيادة “حماس” عن مكان آخر غير قطر بعد تصاعد الضغط الأمريكي الصهيوني عليها، ومن ثم السؤال عن هوية المكان الجديد، وعما إذا كان تركيا أم إيران أم سواهما.

وأضاف أنّ ما ينبغي أن يُقال ابتداء هو أن هستيريا الصهاينة والأمريكان ضد قطر لا تعبّر عن اكتشاف جديد بشأن السياسة القطرية، بقدر ما تعبّر عن مأزق عميق لكل منهما.

وأشار الزعاترة إلى أنّه في “الكيان” تثور أسئلة بلا إجابات بشأن تطوّرات الحرب وغياب آفاق “النصر المطلق” الذي يتبجّح به نتنياهو، معطوفة على هاجس الأسرى الذي يحضر يوميا. أما في واشنطن، فتحضر هواجس الحرب الإقليمية بعد التطورّات الأخيرة بما يهدّد بغرق جديد في مستنقع المنطقة، في وقت يقول لسان حال “الدولة العميقة” إن أولوية أمريكا هي مواجهة الصعود الصيني الروسي، وليس تلبية مطالب اللوبي الصهيوني وأذرعه في إدارة بايدن.

وأوضح بالقول: في السياق حضر الموقف المصري الرسمي الذي ضغط بقوة على “حماس” لقبول الورقة الأمريكية الأخيرة، مقابل “حياد” قطري ظهر بوصفه انحيازا لـ”حماس”، الأمر الذي استفز عصابة “الكيان” في تل أبيب وواشنطن، وأخرجها عن طورها.

وخلص الزعاترة للقول: ما يمكن استنتاجه بعد ذلك هو أن القيادة التركية قد هبّت لنجدة أصدقائها في قطر، إما بطلب أو بمبادرة ذاتية، فكانت زيارة “فيدان” للدوحة، واللقاء المرتقب لأردوغان مع قيادة “حماس” في إسطنبول.

واستدرك الكاتب والمحلل السياسي بالقول: لكن ذلك كله لن يغيّر شيئا ملموسا في المعادلات القائمة، فلا قيادة “حماس” ستغادر الدوحة، وإن بقي لها مكان في اسطنبول أيضا، ولا قطر ستوقف وساطتها بالكامل (حتى أمريكا لا تريد ذلك، وإن طالبت بضغط على “حماس”)، مع بقاء الدور المصري حاضرا “بقوة الجغرافيا”، ولا “حماس” ستخضع للضغوط وتقبل الورقة الأمريكية أو أي ورقة أخرى لا تحمل مضمونا يلبّي مطالب شعبها، وطبعا بوصفها حركة تحرير أولا وقبل كل شيء، وليست “إمارة” تخشى على سلطة تقايضها بمصالح شعبها، كما كانت أبواق “رام الله” و”قبيلتها الحزبية” تهذي ليل نهار منذ 2007، وما زالت تفعل، بعد أن فضح “الطوفان” عارَ تآمرها على شعبها على رؤوس الأشهاد.

أمّا الكاتب والمحلل السياسي سعيد الحاج، فعلى الرغم من استبعاده لنظرية بحث حركة حماس عن مقرٍ بديلٍ للدوحة، إلا أنّه وجد من المهمّ البحث عن المتغيرات المنطقية التي دفعت لهذه الزيارة والاستدارة في الموقف التركي.

وقال الحاج: إنّ المتغير الأول المنطقي هو نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في تركيا التي تراجع فيها العدالة والتنمية أمام الشعب الجمهوري للمرة الأولى، واعترف أردوغان نفسه أن موقف حزبه وحكومته من العدوان “الإسرائيلي” على غزة كان أحد أسبابه، حيث قال إنهم “فعلوا كل ما بوسعهم من أجل غزة، إلا أنهم فشلوا في إقناع البعض بذلك”، مشيرا لاستغلال بعض الأحزاب المنافسة لذلك، بحسب مقالته في صحيفة “عربي٢١” اللندنية.

ونوه إلى أنّ العامل الثاني هو ولا شك صمود شعب غزة ومقاومتها رغم كل جرائم الحرب التي اقترفها الاحتلال والدعم الدولي الذي حصل وما زال يحصل عليه ولا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية. اليوم، يتزايد الحديث إقليميا ودوليا عن فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه من العدوان على القطاع ويزداد زخم الاحتجاجات عليه وعلى الحكومات الغربية الداعمة له وكذلك الدعوات لوقف العدوان وإدخال المساعدات، بل والدعوات لوقف الحرب من داخل دولة الاحتلال نفسها.

وتابع الحاج بالقول: كما أنه لا ينبغي إغفال متغيرات إقليمية ودولية على جانب كبير من الأهمية والتأثير في السياق. في مقدمة ذلك ارتفاع حدة نبرة الإدارة الأمريكية تجاه حكومة نتنياهو بخصوص خططه لعملية برية في رفح، مما قد يكون شجع الحكومة التركية على مواقف أكثر حدة منها، إذ أن أحد تخوفات الأخيرة أن تؤدي مواقفها من العدوان لتوتير العلاقات مع واشنطن والرئيس على وشك زيارة البيت الأبيض.

كما لفت إلى أنّ “التوتر الأخير بين إيران ودولة الاحتلال، بما يشمل إنعاش احتمالات توسع الحرب في المنطقة، يبدو ماثلا أمام صانع القرار التركي ودافعا له للعب أدوار أكثر مركزية، لا سيما إذا ما وضعنا في الحسبان حالة التنافس الضمنية بين أنقرة وطهران في الملف الفلسطيني مؤخرا”.

وتابع الحاج حديثه بالقول: وأخيرا، أتت المتغيرات الأخيرة في ظل إشاعات تدّعي بحث حركة حماس عن مقر بديل للدوحة، بدعوى أن الأخيرة تتعرض لضغوط أمريكية غير مسبوقة لدفع حماس للقبول بوقف إطلاق النار بشروط مجحفة أقرب لإعلان الاستسلام. وقد دفع ذلك البعض لوضع الزيارة في إطار حديث حماس مع أردوغان لتكون إسطنبول مقرا بديلا للحركة.

وأضاف، يمكن القول إن فكرة استبدال إسطنبول بالدوحة ليست منطقية ولا مرجحة، فلا قطر ستطرد حماس ولا إسطنبول بعيدة عن الأخيرة، إذ تتردد إليها بعض قياداتها بشكل علني بين الحين والآخر، بل إن “إسرائيل” تدعي وجود مكاتب لها على الأراضي التركية كانت ضمن اشتراطاتها لاستعادة العلاقات الدبلوماسية مع تركيا (وهو ما لم يحصل)، كما أنه من غير المنطقي أن تذهب حماس للقاء رسمي وعلني مع أردوغان بهذه الطريقة لطلب بديل عن الدوحة.

وخلص الحاج إلى أنّ المرجح أن تكون تركيا فعّلت دورها كإسناد للموقف القطري وليس منافسته أو سحب البساط من تحته، لا سيما وأن الضغوط الأمريكية حقيقية وخصوصا من بعض أعضاء الكونغرس. كما أن أنقرة تحاول منذ بداية العدوان أن يكون لها دور في الوساطة، وهو ما رفضته حكومة نتنياهو ولا نعتقد أنه حصل تغير ملموس على هذا الصعيد مؤخرا.

ويشاركه الرأي ذاته الكاتب والمحلل السياسي حازم عياد، الذي يرى أنّ التحرك التركي الدبلوماسي والرئاسي يسعى لتوفير قوة زخم لما يمكن تسميته بالدور التركي قبيل لقاء الرئيس الامريكي جو بايدن بالرئيس التركي رجب طيب اردوغان في التاسع من ايار / مايو المقبل، فتركيا تسعى لترتيب اوراقها والانخراط بقوة في ملفات الاقليم بعد انكفاء طال امده، مسلحة بالموقف القطري الضاغط، والعلاقة القوية مع حركة المقاومة الفلسطينية حماس وقياداتها والاهم حاجة اميركا للتهدئة وخفض التصعيد في الاقليم.

لكنّ سعيد الحاج يعود في هذه القضية إلى ما يصفه بـ “السؤال الأهم”، حول ما بعد زيارة هنية لتركيا هو آفاق الموقف التركي بخصوص العدوان “الإسرائيلي” على غزة والخطوات التي يمكن للحكومة التركية اتخاذها في هذا الإطار، وهي عديدة وتقع في إطار الممكن الذي لن يجلب لها مشاكل مع الإدارة الأمريكية أو غيرها.

ويؤكد الحاج أنّ ثمة من يرى بأن درس الانتخابات المحلية كان قاسيا وما زال حاضرا ما يدفع للرغبة بخطوات حقيقية هذه المرة، كما أن المتغيرات الإقليمية والدولية تساعد على ذلك، فهل نرى خطوات عملية إضافية من أنقرة تجاه غزة وحماس؟

بدوره أكد الكاتب والمحلل السياسي ياسر أبو هلالة – في نظرته لزاوية أخرى من المشهد –  أنّ وجود حركة حماس في الدوحة حقق فرصة للتوصل إلى صفقة ناجحة في بداية الحرب، وهو ما استحقّ شكراً من الأميركيين والإسرائيليين، لكنّ فشل المحاولات اللاحقة جدّد حملات اللوبي الصهيوني على قطر بحجّة أنّها لا تضغط على “حماس” للقبول بالصفقة، سواء في تصريحات مسؤولين إسرائيليين أم أعضاء كونغرس أم كتّاب صهاينة، بحسب مقالته في صحيفة “العربي الجديد”.

ونوه أبو هلالة إلى أنّ تلك الحملة دفعت رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى القول إن بلاده في صدد مراجعة الوساطة وإعادة النظر فيها. ونشرت “وول ستريت جورنال” تقريراً ينقل عن مسؤولين عرباً أنّ قيادة “حماس” تفكّر في الانتقال من الدوحة، واعتبرت الصحيفة أنّ ذلك قد يؤدّي إلى “قلب المحادثات الهشّة لإطلاق الرهائن رأساً على عقب”.

وختم أبو هلالة بالقول: سواء نجحت المفاوضات أم فشلت، وسواء بقيت “حماس” في الدوحة أم غادرت، فالقضية الفلسطينية تظلّ هي القضية الفلسطينية، والتزام العرب بها شرط عروبتهم، والهجوم الصهيوني على قطر بسبب هذا الالتزام يعزّز مكانتها، خصوصاً أنّ القضية الفلسطينية بعد “7 أكتوبر” في وضع أفضل بكثير على مستوى العالم مما كانت عليه من قبل، كما أنّ إسرائيل أضعف استراتيجياً عمّا كانت عليه.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات