الأحد 19/مايو/2024

صرخات المقابر

د. أسامة الأشقر

خلف جبل الأحداث العالي في قطاع غزة اليوم تجري أمور كبيرة في قضيتين: الأقصى والأسرى.

وأما الأقصى فله حديث كبير في محلّه ينبغي إفراده لضخامته وعظيم خطره، وأما الأسرى فيستحق الحديث عنهم الوضوح والصراحة وسرعة المبادرة.

منذ بدء أحداث الطوفان فإن العدو شنّ حملة هائلة في القدس والضفة الغربية وعلى مستشفيات غزة فاختطف آلاف الفلسطينيين من بيوتهم ومحلات عملهم، وفي المعتقلات فرَز منهم كبارهم وشيوخهم والمؤثرين فيهم.

لم يكن العدو يهتم كثيراً بالمعلومات في التحقيق معهم، بل كان حريصاً على إذلالهم وكسر كرامتهم وتحطيم معنوياتهم وإظهار عجزهم وعجز كل الأمّة والحكومات والحركات والأحزاب والعالم الذي يرى ويسمع كل شيء.

كانت التهمة التي تلقى عليهم أنّكم كنتم سبباً من الأسباب الكثيرة التي أدت إلى وضع “إسرائيل” في هذا الوضع ويجب معاقبتكم جميعاً.

لم يكتفوا بتعذيبهم وضربهم وصفعهم في وجوههم وظهورهم ومواضع مرضهم كما يفعل البلطجيّة الأوغاد، بل أرادوا لهم أن يكونوا في أسوأ منظر.

لقد حركوا من رؤية أهلهم تماماً، وألغوا جميع الزيارات، وحتى المحامين الذين يأتون من المنظمات الدولية لم تتح لهم أي فرصة لمقابلة أحد من الأسرى.

بلغ العزل حدّ تغييب جميع الأخبار عنهم، فهم لا يعرفون أي شيء عمّا يجري خارج أسوار معتقلاتهم، لا عن العالم ولا عن غزة ولا عن أهلهم، وغذا سرّبوا إليهم خبراً فإنه يكون إشاعةً لتحطيمهم، وذلك تراه كثيراً في السجون المعدّة للمحكوميات العالية والمؤبدات.

لقد جعلوا الأسرى يتقذّرون من أنفسهم ومن بعضهم بعد أن حرموهم من النظافة والاغتسال والمطهرات وشفرات الحلاقة، فصارت روائحهم كريهة وغرفهم أشبه بالمراحيض فلا يستطيعون الجلوس ولا الصلاة ولا القراءة ولا الاستماع إلى شيء مفيد، وضاقت أنفسُهم الطاهرة بهذه القذارة التي قُذفوا فيها.

لقد أثّر ذلك على جلودهم فانتشرت الفطريات والجرب على كثيرين منهم، وأكلت الأمراض الجلدية أجسادهم التي بدأت تهترئ وتتمزّع بسبب أمور أخرى ينصعونها في جو العنابر المغلقة المكتومة على ما يبدو فتؤدي إلى التهاب أجسامهم والمبالغة في حكّها وتجريحها.

ولو رأيتم بعض من خرج منهم من السجون مؤخراً فسترون رجالاً خارجين من الكهوف، والقويّ منهم من استطاع اصطناع الابتسامة لوهلة عند لقاء أهله قبل أن تعزّ عليه نفسه ويبكي قهراً في خلوته.

لقد أَنقَصوا وجبات الطعام في السجون إلى حد الجوع، وأكثرُ طعامهم فاسد منتهي الصلاحية أو كاد العفن يلتهمه، ولا يمكن استصلاح إلا القليل منه، ولذلك ترى جميع أسرانا قد نقصت أوزانهم جداً.

كانوا يجمعون كبار القوم والمؤثرين في صعيد واحد، ويأتي وزير الأمن القومي المتطرف الجبان بن غْفِير ليشاهد حفلات التعذيب والإهانة، ويصفّق للجلادين، ويمنحهم العلاوات على زعرنتهم.

إن أقلّ شيء يقال في حق ما يحدث لهم قول أحد أبطالنا المأسورين: إن لي أكثر من ثلاثين عاماً وراء القضبان، ولم أشهد قهراً مثل ما يجري لنا اليوم، فلا نامت أعين الجبناء!
فالنجدةَ النجدةَ !

    الرابط المختصر:

    تم النسخ

    مختارات