السبت 13/أبريل/2024

عندما تتآكل أعمدة دولة إسرائيل القوية

أحمد الحيلة

قبل أن تنشأ دولة إسرائيل في 14 مايو/أيار 1948، على أرض فلسطين التاريخية بإعلان ديفيد بن غوريون قيامَها دولةً يهودية مستقلة، حظي اليهود وفكرة الدولة اليهودية برعاية خاصّة، بدأت عمليًا بإعلان بريطانيا وعد بلفور في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، الذي منحت بموجبه الحكومة البريطانية الحق لليهود في تأسيس وطن قومي لهم في فلسطين، فكان القرار تعبيرًا عن قوة الانتصار في الحرب العالمية الأولى، وقوّة الاستعمار الذي رعى عصابات ومليشيات صهيونية أنشأت لها دولة على حساب الشعب الفلسطيني الذي هُجّر 57% منه قسرًا، ودمُرت له 500 بلدة وقرية بشكل كامل.

وحتى لا تبقى إسرائيل دولة استعمارية سارقة للأرض وقاتلة للإنسان، سارعت بالتوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لترسيخ شرعيتها، فأصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 273 في 11 مايو/أيار 1949، بقبول إسرائيل عضوًا فيها شرط تعهدها بتطبيق قرار الجمعية رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، والداعي بتقسيم أرض فلسطين (42.3% دولة عربية للفلسطينيين، و57.7% دولة يهودية لليهود)، وتنفيذها القرار رقم 194 الصادر في 11 ديسمبر/كانون الأول 1948 والداعي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجّروا منها قسرًا.

تلك الدولة الناشئة على جراح الفلسطينيين ودمائهم، قبلت كعادتها القرار الدولي ولم تنفّذه، في وقت صنعت لنفسها مجدًا أكبر من المتخيّل عندما استطاعت أن تهزم جيوشًا عربية في العام 1967، فانتصرت عليها مجتمعة بضربة مباغتة واحتلت الضفة والقطاع وسيناء المصرية وأراضي عربية أخرى في الأردن وسوريا ولبنان في ستة أيام فقط، ما شكّل صدمة في الوعي العربي.

سِمات إسرائيل القوية:
نشأت إسرائيل اليهودية كقوة استعمارية، برعاية من بريطانيا العظمى، ومن ثم برعاية الولايات المتحدة الأميركية، لتكون امتدادًا لقيم الغرب الإمبريالي الكولونيالي، وقلعة لحماية مصالح المنظومة الغربية في المنطقة، فقامت إسرائيل على خليط من الخصوصية اليهودية والغربية وبسمات أهمها:

أولًا: إسرائيل دولة يهودية، خاصة باليهود ممّن يدّعون “نقاء العرق والدم” والعلاقة بفلسطين كأرض للميعاد والخلاص، في ظلّ الترويج لمظلومية اليهود الذين تعرّضوا للاضطهاد في القارة الأوروبية، فصنعت إسرائيل لنفسها سردية دينية تاريخية صهرت بها اليهود في مجتمع ودولة، وهي سردية سمحت لها باستدرار عطف العالم عبر الإعلام والسينما والفن والعلاقات العامة التي تُشْرف عليها وكالات وشركات مملوكة لكارتلات المال اليهودي الصهيوني.

ثانيًا: الاتكاء على قوة عسكرية نوعية تتفوق على خصومها منفردين أو مجتمعين، وتسمح لها بالقضاء على خصمها بضربة قاضية حاسمة خاطفة، كما كان لها في حروبها مع العرب والفلسطينيين في الأعوام: 1948، و 1967، و 1956، و1982 ما شكّل لها قوة ردع وحصانة.

ثالثًا: التمتّع بغطاء ودعم غربي أميركي مفتوح ذي بُعد إستراتيجي يسمح لها بالتفوق والتعويض عن أي خسارة قد تقع عليها، ما جعل إسرائيل دولة استثنائية وكيانًا فوق القانون والمحاسبة، وهي التي لم تلتزم بالقوانين أو القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية والتي ناهزت الـ 900 قرار خلال 75 سنة، دون خشية من الملاحقة أو المحاسبة في المحاكم الدولية أو الوطنية ذات الاختصاص الدولي بحكم النفوذ الأميركي العابر للحدود والمؤسسات الدولية.

تحدّيات متعدّدة:
المجتمع الصهيوني في إسرائيل، في العقد الأخير وقبيل السابع من أكتوبر/تشرين الأول (معركة طوفان الأقصى)، بدأت تظهر عليه عوارض متعدّدة في ظل الشعور بالرخاء الاقتصادي، والاستقرار الأمني النسبي المتّكئ على تراجع النضال الفلسطيني في ظل اتفاقيات أوسلو لأكثر من 30 سنة، واتساع دائرة التطبيع مع العديد من الدول العربية، فظهرت فيه أمراض سياسية واجتماعية هويّاتية باتت تهدد استقراره وسِلمه الأهلي حتى في نظر النخب الإسرائيلية نفسها التي لم تتوانَ عن التحذير، ومن تلك الأعراض على سبيل المثال:

أولًا: غياب القيادات التاريخية المؤسّسة، وانحسار اليسار العلماني، وتقدّم الأحزاب الدينية المتطرفة كحزب شاس ويهودت هتوراه، واليمين كالليكود، وصعود شخصيات يمينية قومية شعبوية – كوزير الأمن القومي بن غفير، ووزير المالية سموتريتش ودفاعهما عن الهوية الدينية للدولة في مواجهة الأغلبية العلمانية، عبر الترويج الإعلامي – ومحاولتهم تقليص صلاحيات المحكمة العليا في إسرائيل لصالح الحكومة والسلطة التنفيذية التي يسيطرون عليها؛ تمهيدًا لسنّ قوانين ذات صبغة دينية على حساب الهوية العلمانية للدولة، ما ساق المجتمع إلى صراع هويّاتي عميق بين الدين والعلمانية، عبّرت عنه تظاهرات ضخمة وحاشدة للعلمانيين في شوارع مدينة تل أبيب في الأشهر الأخيرة قبل معركة “طوفان الأقصى”، في إشارة إلى تعاظم الانقسام والاصطفاف في المجتمع الصهيوني، وتهديد البيئة والجبهة الداخلية لدولة إسرائيل.

ثانيًا: بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وفي ظل تجييش المجتمع الصهيوني للحرب على غزة والمقاومة وحركة حماس، وبعد ستة أشهر من المعارك المستمرة، بات جيش الاحتلال بحاجة ملحّة لمزيد من الجنود بعد أن استدعى نحو 350 ألفًا من الاحتياط (يشكلون 8% من القوى العاملة)، وارتفاع معدلات القتلى والجرحى (580 قتيلًا، و3160 جريحًا تقريبًا)، وخضوع نحو 30 ألف جندي وضابط للعلاج النفسي المُعيق للالتحاق بالخدمة العسكرية، فأصبح الجيش بحاجة لتجنيد نحو 20 ألفًا من الجنود الجدد، ما فتح باب الجدل والخلاف العميق بين أقطاب الحكومة وفي المجتمع حول تجنيد المتدينين الحريديم الذين يشكلون 13% من السكان، المُتمتّعين بامتيازات اقتصادية بصفتهم طلابًا في المدارس الدينية، ولا يُلزَمون ولا يلتزمون بالجندية داخل الجيش؛ لاعتبارات عقائدية استعلائية ترفعهم فوق الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي الموصوف بعلمانيته المتعارضة مع معتقداتهم الدينية، ما استفزّ شرائح عريضة في المجتمع الصهيوني العلماني، ودفعهم للتظاهر؛ نتيجة شعورهم بالغبن والاستغلال الرخيص، ما كشف جانبًا من هشاشة المجتمع وضعف حصانته أمام استحقاقات الدم والقتال.

وهو أمر ما زال يتفاعل في أروقة الحكومة وبين وزرائها، بعد تهديد وزير الأمن القومي بن غفير ووزير المالية سموتريتش بالاستقالة إن أقرّ قانون تجنيد الحريديم، مقابل تهديد الوزير غانتس بالاستقالة إذا حصل العكس، مع اعتراض وزير الحرب غالانت والوزير غادي آيزنكوت على استمرار إعفاء الحريديم من التجنيد.

هذا، بدوره، كشف مستوى الانقسام العميق القديم في الدولة عموديًا وأفقيًا، وأظهر سوءة الطبقية الاستعلائية داخل المجتمع الصهيوني على أسس دينية وعلمانية متناقضة.

ثالثًا: أحدثت ضربة الـ 7 من أكتوبر/تشرين الأول (طوفان الأقصى) صدعًا عميقًا في نظرية الردع الإسرائيلية، وتعمّق هذا الصدع أكثر مع فشل جيش الاحتلال في تحقيق أهداف الحرب المعلنة: (سحق حركة حماس، واستعادة الأسرى بالقوة، وإعادة المستوطنين إلى غلاف غزة دون تهديد) ضد الشعب الفلسطيني وحركة حماس في قطاع غزة للشهر السادس على التوالي، وهو الأمر المرشّح استمراره، حيث ذكر تقرير مجتمع أجهزة الاستخبارات الأميركية (18 جهازًا) لعام 2024 أن هدف تدمير حماس غير واقعي، وأن إسرائيل قد تخوض حربًا لسنوات ضد حماس.

في وقت لا يُستبعد فيه تحوّل المعركة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد ضد إسرائيل في الضفة والقطاع ومع لبنان واليمن وفي البحر الأحمر وعموم المنطقة، وهي سابقة تاريخية، وإن استمرت على وتيرتها الحالية فستعمل على تآكل الاقتصاد الإسرائيلي من الداخل، حيث تراجع الإنتاج القومي نحو 20%، وارتفعت فاتورة الحرب لأكثر من 170 ملياردولار، وأصبحت إسرائيل بيئة طاردة للاستثمار، ما سيشجّع شرائح واسعة من المجتمع الصهيوني على الهجرة إلى أوروبا والولايات المتحدة، في وقت تتواتر فيه التقارير عن مغادرة نحو مليون يهودي من إسرائيل.

رابعًا: انهيار سردية الاحتلال بشكل سريع؛ فما بنته إسرائيل خلال 75 سنة من المظلومية، بدأ يتهاوى في أشهر معدودة؛ بسبب مستوى التوحّش المفضي لارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، إلى حد اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية أمام محكمة العدل الدولية التي قبلت بدورها النظر في القضية في 26 يناير/كانون الثاني، وأمرت إسرائيل باتخاذ إجراءات احترازية تحول دون ارتكاب تلك الجريمة، مع ضرورة فتح الممرات لدخول المساعدات إلى المدنيين في عموم قطاع غزة.

وهو ما أكدته أيضًا المقرّرة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيز (26 مارس/آذار الجاري)، في تقريرها المرفوع إلى مجلس حقوق الإنسان، في وقت بلغ فيه عدد الشهداء نحو 32 ألف شهيد، 70% منهم من النساء والأطفال، بالإضافة لـ 74 ألف جريح حتى اللحظة، أي ما يعادل 4.6% من سكان القطاع.

في ذات السياق، برزت عزلة إسرائيل دوليًا، عندما صوّت 14 عضوًا في مجلس الأمن على قرار بوقف إطلاق النار في شهر رمضان ليفضي لاحقًا لوقف مستدام، مع التأكيد على ضرورة إدخال المساعدات فورًا، وذلك على عكس إرادة الكيان المحتل، وقد كان لافتًا امتناع واشنطن عن التصويت بعد أن استخدمت الفيتو 3 مرّات ضد مشاريع قرارات سابقة، كانت تطالب بوقف إطلاق النار خلال الستة أشهر من عمر العدوان على غزة، في إشارة إلى تصاعد مستوى الخلاف بين واشنطن وتل أبيب، وحرج الأولى من الانتهاكات الإسرائيلية وسلوكياتها العدوانية ضد الأطفال والمدنيين العزّل، أمام الشعب الأميركي والرأي العام الدولي.

وإذا كان هذا على مستوى المؤسسات الدولية، فإن الشعوب أيضًا عبّرت عن رفضها هذه الوحشية الإسرائيلية الاستثنائية في التاريخ الحديث ضد المدنيين، وعبّرت عن غضبها باستمرارها في التظاهر في أغلب عواصم العالم من اليابان حتى كندا، ولا سيّما في العواصم الغربية منها، إلى الحد الذي أصبح العدوان على غزة أحد المواضيع المؤثرة في الانتخابات الرئاسية الأميركية، فالجمهور الأميركي المعروف بتأييده العارم لإسرائيل تقليديًا، بدأ يغيّر نظرته منها بعد ما شاهده من وقائع وسياسات منهجية احتلالية ضد الأطفال والمدنيين العزّل حتى استخدام سلاح التجويع كأداة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية.

وهذا التوجّه الجديد في الرأي العام عبّرت عنه شرائح الشباب الأميركي والليبراليين التقدميين والأقليات العربية والمسلمة، وعكسه آخر استطلاع للرأي نشرته مؤسسة غالوب الأميركية والذي يشير إلى أن 55% من الأميركيين يعارضون عملية الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، مقابل 36% فقط يؤيدونها.

مستقبل الكيان في جبهته الداخلية:
وفق ما تقدّم تواجه إسرائيل تحديات حسّاسة على مستوى تماسك ووحدة الجبهة الداخلية، بسبب الصراع على هُوية الدولة، والخلاف الناشئ عن غياب معيار المساواة والعدل بين شرائح المجتمع الإسرائيلي والذي عبّر عنه مؤخرًا الخلاف الكبير على قانون تجنيد المتدينين الحريديم.

كما تهاوت سردية الاحتلال المتّسمة بالمظلومية التاريخية، وانكسرت صورته كدولة ديمقراطية متحضّرة وفق القيم الغربية وحقوق الإنسان، حتى تحوّلت إلى عبء أخلاقي على أصدقائها التقليديين في أميركا وكندا وفرنسا وبريطانيا، والعديد من الدول الأخرى.

استمرار الحرب على غزة على ذات النسق المتوحّش دون أفق سياسي، واستمرار قدرة حركة حماس والمقاومة الفلسطينية في فلسطين، وحزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن على الصمود والمواجهة وفق منطق الدفاع عن النفس، والحق في تقرير المصير والتخلص من الاحتلال، لا سيّما إذا تحوّلت المعركة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد ضد إسرائيل، فإن ذلك سيوسّع دائرة الاضطرابات الداخلية في إسرائيل ويُعمّق حالة اللااستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي التي سيكون لها أثر بالغ على قدرة مؤسسات الدولة في القيام بمهامها المنوطة بها، وخاصة مؤسسة الجيش التي تشكّل الجدار الأخير لدولة محتلة.

وهذا يُعدّ أكبر تحدٍ وجودي ذاتي يمكن أن تواجهه إسرائيل. وهو مقدّم على الإمداد الأميركي الخارجي بالسلاح والمال الذي لا يمكن أن ينقذ مجتمعًا بات السوس ينخر في جذعه وأغصانه من الداخل.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات