السبت 13/أبريل/2024

بوشنل.. ودلالات التعميد بالنار على مذبح الإبادة

حسام شاكر

لماذا يقرِّر ضابط شابّ أبيض في سلاح الجو الأميركي إضرام النار في جسده؟ لماذا.. هو السؤال المركزي في وقائع كهذه، خاصّة بعد انتفاء تعبيرات “الانتماء الفرعي” الخاصّة بلون البشرة أو المعتقد، فهو ليس أسمر البشرة، ولم يُطلِق تكبيرة تجعله محسوبًا على التطرّف والإرهاب كما هي العادة.

ولأنّ “لماذا؟” سؤال مركزي في هذه الحالة؛ فإنّ سرديّات تبرير السياسات الخارجية الداعمة لحرب الإبادة التي تستهدف الشعب الفلسطيني في قطاع غزة حرصت على الالتفاف عليه عبر تأويلات مُراوِغة، وتحاشت التعامل الموضوعي مع السؤال.

تعاملت وسائل الإعلام الأميركية بفتور إلى حدّ التجاهل، مع الواقعة التي جرت يوم الأحد 25 فبراير/ شباط قبالة السفارة الإسرائيلية في واشنطن العاصمة، لكنّها عجزت عن الاستمرار في طمسها أو مواصلة تجاهلها كما في واقعة مماثلة تقريبًا أقدم فيها معترض على حرب الإبادة على إشعال النار في جسده في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 2023 قبالة القنصلية الإسرائيلية العامّة في أتلانتا الأميركية، تاركًا علم فلسطين قرب جسده المحترق وقتها في المكان.

لم يحظَ حدث أتلانتا باهتمام إعلامي لافت وقتها، رغم بعض التقارير المنشورة عنه. أمّا هذه المرّة فقد اجتمعت لواقعة واشنطن العاصمة عناصر دفعت به إلى صدارة الاهتمامات الشبكية ومن ثمّ الإعلامية، فالحدث جرى بثّه عبر الشبكة مباشرة، ورسالته السياسية واضحة تمامًا، ومن أقدم عليه ضابط في سلاح الجو الأميركي.

ماذا لو كان بوشنل جنديًا روسيًا يعلن احتجاجه على سياسات الكرملين وحربها في أوكرانيا بأسلوب إضرام النار في الجسد أو بغير ذلك؟ حسنًا، كان سيُرتفع به في المنصّات الإعلامية والثقافية الأميركية والأوروبية إلى مصاف الرمزية المعولمة، ولن يفوِّت متحدِّثو المنصّات السياسية على جانبي الأطلسي فرصة الإشادة بتضحيته و”شجاعته الأخّاذة”، وقد حدث شيء من هذا التمجيد الغربي مع إعلامية روسية أشهرت لافتة اعتراض على حرب أوكرانيا في أستوديو أخبار روسي، قبل سنتين تحديدًا من واقعة بوشنل في اعتراضه على حرب تدعمها واشنطن ضد الشعب الفلسطيني.

يُعبِّر سلوك إحراق الذات – عادةً – عن قنوطٍ من نوع ما، لكنّ بوشنل، ضابط الطيران الحربي الشابّ، تصرّف كمن يتقدّم بخطى واثقة نحو مهمّة نبيلة. اختار التضحية بنفسه لأجل فكرة عبّر عنها بمفردات إنسانية وقيمية واضحة، من خلال مرافعة مركّزة انتهت كلماتها الوجيزة بهتاف الحرية لفلسطين. في لحظة الذروة واصل الضابط الشاب الهتاف حتى آخر رمق، ‏صاح مرّة تلو مرة والنار تأكله سريعًا: “فلسطين حرة.. فلسطين حرة.. فلسطين حرة”. اغتنم الأجزاء المتاحة له من اللحظة الأخيرة وهو يحترق عن آخره ليُطلِق هذا الهتاف، فدوّت كلماته في العالم.

بوشنل وسؤال القنوط
لا مؤشِّرات على أنّ بوشنل كان قانطًا من حياته؛ بل بدا مُحبَطًا جدًا من مغزاها إنْ واصل خدمة جيش دولة رآها ضالعة في إبادة جماعية. بدا قانطًا بالكامل من سياسة بلاده والممسكين بمفاتيحها، الذين عبّر عنهم بمصطلح ذي دلالة انفصال عن الشعب هو: “طبقتنا الحاكمة”.

أدرك بوشنل أنّ أولئك القوم يضعون أصابعهم في آذانهم كي لا يبلغها هتاف “فلسطين حرّة” الهادر، الذي يدوِّي في الميادين الأميركية والغربية منذ شهور خمسة حتى لحظته بلا هوادة، فقرّر إطلاق الهتاف ذاته على طريقته الاستثنائية، مستعملًا البثّ المباشر واسطة في تمرير الرسالة إلى عالم سينشغل بما صنعه أمدًا من الزمن، كي لا تختنق أنفاسه وتذوي الكلمات.

اختار مسرح الحدث بعناية فائقة، ففي هذا الموقع تتقاطع واشنطن العاصمة مع سفارة الاحتلال والإبادة الكائنة فيها، وفي هيئة ردائه يتجلّى تقاطُع آخر مع الوسط الذي جاء منه. فقد حضر آرون بوشنل بملابس جيْشه، حتّى إنّه حرص في اللحظة الأخيرة على ارتداء قبّعته العسكرية قبل إشعال النار في بدنه، معبِّرًا بهذا الصنيع عن مفهومه الخاصّ لشرف العسكرية التي تأبى الانصياع لنهج غير أخلاقيّ.

لم يأتِ آرون بوشنل عبثًا إلى هذا المكان، فقد أراد تجريب منطق النار بالنار عندما أشعل اللهب في جسده؛ تنديدًا بإدارة ترفض وقف النار التي تحرق عشرات ألوف الأطفال والنساء والمدنيين بذخائرها. ‏وقد يُقال بصياغة ملحمية؛ إنّ ضابط سلاح الجو قرّر تعميد ذاته بالنار في مسعى طهرانيّ، وابتغى “الاستشهاد” على مذبح السياسة الأميركية التي تساند الإبادة في غزة، وتتواطأ على حرمان فلسطين من حريّتها.

لعلّ أكثر ما زلزل مُشاهدي المقطع المرئي الذي طاف الآفاق من فوره؛ أنّ آرون ظلّ يهتف لحرية فلسطين، بينما النار تلتهمه، وكأنّه أراد لناره أن تصير بردًا وسلامًا على غزة وشعبها. ردّد العبارة حتى أقصى مدى يمكن تخيُّله من لحظته الأخيرة التي أراد تخليدها على هذا النحو، فظهرت عبارة “فري بالستايْن” هذه منقوشة من تلقائها في شعارات ولافتات وتصميمات جماهيرية لا تُحصى في الميادين والشبكات، مع رسوم أخّاذة له تحمل مواصفات ملحمية الطابع تمجِّد لحظته وتستلهم مغزاها.

يبقى سؤال الباعث الجوهري شاخصًا للعيان، فلماذا فعلها ضابط شابّ من سلاح الجوّ تحديدًا، الذي يجتاز منتسبوه اختبارات نفسية وانفعالية خاصّة؟ إن تعدّدت قراءات المُحفِّزات فإنّها لن تتجاوز مفعول السياسات غير الأخلاقية في تحريض ضابط سلاح الجوّ الأميركي على إحراق نفسه في واشنطن العاصمة، وأن يفعل ذلك تحديدًا عند سفارة القاعدة الحربية الاستيطانية التي تشغل رقعة فلسطين.

كان بالوسع إقناع شابّ في مقتبل حياته بالإحجام عن إحراق جسده بعد أن انكشف له فجأة ذلك الواقع العريض القابع خلف حُجُب العزل الوجداني والتضليل التأويلي، لكنّ ذلك يقتضي استعادة المشهد عكسيًا وفحص مُقدِّماته.

كان بوسع واشنطن العاصمة أن تدرأ الواقعة لو أنّ إدارة بايدن التزَمت بما تمليه عليها شعارات قيمية وأخلاقية تتباهى بها الولايات المتحدة. وعلى أقلّ تقدير؛ ما كان لضابط سلاح الجوّ أن يُشعِل النار في جسده لو أنّ بلاده تحرّت الإنصاف في وقائع معيّنة، مثلًا مع مواطنتها الشابّة المغدورة، ريتشل كوري، التي سحقها جيش الاحتلال في رفح قبل 21 سنة عندما كانت في مارس/ آذار 2003 في مهمّة تضامنية مع المواطنين الفلسطينيين الذين تجرِّف قوّات الاحتلال أراضيهم جنوبي قطاع غزة، حاولت إقناع قائد الجرّافة بالكفّ عن التدمير فسحق جسدها الغضّ.

الهوّة بين السياسة والجماهير
جاءت التضحية الجديدة بالنفْس حَرقًا تعبيرًا صادمًا عن حالة انفصام بين “طبقة الحكم”، حسب تعبير بوشنل، وأوساط من الشعب، وتجلّت مظاهر الانفصام بين خطاب المنصّات السياسية والإعلامية من جانب وخطابات الميادين والشبكات من جانب آخر.

ظهر بوشنل ليجسِّد بصفة استثنائية أزمة انفصام مستفحلة تعيشها أوساط من الشباب الأميركي والغربي؛ بين محتوى المحفوظات التعليمية والمقرّرات التثقيفية من جانب؛ وواقع الممارسات والتواطؤات التي انكشفت لناظريْها من جانب آخر.

تعيش هذه الأوساط “صدمة ثقافية” جراء معايشة مديدة غير مسبوقة مع نهج دولها في دعم إبادة مرئية وتبرير وحشية مشهودة وتسويغ جرائم حرب رهيبة، فما يجري في فلسطين ليس محجوبًا هذه المرّة بين جبال الهندوكوش الأفغانية، وليس معزولًا في دول الساحل والصحراء التي تتوارى ممارسات الجيوش الغربية فيها عن الأنظار، كما أنّه لا يُمارَس عبر حروب وكالة يمكن التنصُّل من المسؤولية عنها بسهولة.

فموسم غزة المديد (2023-2024) تحديدًا هو الذي اقتدر أكثر من أيِّ موسم مضى على اختبار شعارات كبرى فهوَت فوق رؤوس الأجيال التي وجدت ذاتها في لحظة مكاشفة في مرآة واقعها. ليس بعد غزّة من محجوب يمكن ستره في عالم يرى ويسمع ويواكب، ففظائع القطاع الذي يجري فيه ترويع مليون طفل مع أمّهاتهم وقصفهم بلا هوادة؛ حُمِلت إلى العالم عبر البثّ المباشر يومًا بيوم وساعة بساعة.

لن تصمد أيّ سردية دعائية محبوكة في مواجهة مشاهدها المنقولة بالصوت والصورة أو في تبرير سحق المدنيين بقصف تجود الولايات المتحدة وحليفاتها عليه بمزيد من الدعم العسكري والسياسي والتمويلي والدعائي، علاوة على حرب التجويع التي تُحبك تواطؤاتها وتُرى مشاهدها الرهيبة.

غزة.. ووخزة الوعي
لم يكن طريق بوشنل إلى موقع سفارة الاحتلال والإبادة في واشنطن العاصمة قصيرًا كما قد يبدو، فهو لا يُقاس بأميال قطعها راكبًا ثمّ خطوات اجتازها راجلًا؛ قبل تشغيل البثّ المصوّر عبر الشبكة وإلقاء مرافعة انتهت بمفاجأة حارقة؛ عندما سكب محتوى العبوة على بدنه واستسلم لحمّام اللهب طوعًا.

خلف هذه التجربة معايشة مُزلزِلة، عندما انكشف الواقع للعسكري الشابّ كما لم يرَه من قبل، فانقشعت تصوّراته الحالمة عن سياسات بلاده وتأويلاتها لمُجرَيات العالم وقضاياه. أدرك آرون المشهد الكائن خارج فقاعة السردية المهيْمنة التي احتوت أجيال الولايات المتحدة، هي سردية أميركا عن ذاتها وعن العالم وعن سياساتها الخارجية؛ وعن “الشرق الأوسط” بالطبع.

اخترقت غزّة الواقعة في خاصرة المتوسط تلك الفقاعة، فأحدثت وخزة وعي بواقع لم يُدرَك مُجرّدًا من تغليفه المضلِّل على هذا النحو من قبل. اتّضحت لأوساط عريضة من شباب الديمقراطيات الغربية تلك الفجوة المذهلة بين الشعارات البرّاقة والممارسات المُخزية، أو بين الالتزامات المُعلنة ومدى الامتثال لمقتضياتها. ما قاله بوشنل في مرافعته الملحمية كان واضحًا تمامًا: بدءًا من الآن لن أكون ضالعًا في الإبادة الجماعية!.

من الواضح أنّ بوشنل يستشعر مسؤولية شخصية أيضًا عن هذا الضلوع، فهو ليس مجرّد شاب أبيض أميركي أثقلته وطأة السياسات التي تتبعها “طبقة الحكم”. إنّه فوق هذا ينتمي إلى سلاح نخبوي نسبيًا في الجيش الأميركي، ويحوز من هذا الوجه إطلالات خاصّة محتملة على وقائع أو تفاصيل لا يسع عموم الجماهير إبصارها. ما يعزِّز مفعول هذه الخصوصية؛ ما تردّد عن أنّ الطيّار الحربي حاز معلومات عن مشاركة قوّات بلاده في حرب الإبادة الجارية في قطاع غزة بطريقة ما، حسب تقارير إعلامية مُتداولة في هذا الشأن، وقد يكون الجمهور من بعد على موعد مع إفصاحات وتفاصيل مثيرة للاهتمام في هذا الشأن.

تلتقي عبارة “لن أكون ضالعًا في الإبادة بعد الآن” مع جوهر شعارات الميادين وهتافاتها التي تدوِّي بلا هوادة منذ الأيّام الأولى لحرب الإبادة الوحشية من حناجر ملايين المتظاهرين والمتظاهرات؛ معظمهم في سنّ الشباب.

فقادةُ الدول والحكومات الذين يظهرون بربطات عُنُق وملابس أنيقة ويحرصون على انتقاء عباراتهم الالتفافية بعناية فائقة مع المبالغة في إقحام مفردات إنسانية وأخلاقية في صياغاتهم المتحايلة؛ ضالعون – حسب خطاب الجماهير في الميادين والشبكات­- في حرب الإبادة ودعم الاحتلال وحرمان فلسطين من حريّتها.

ثمّة هتاف يتردّد بالإنجليزية على جانبي الأطلسي يختزل التعبير عن هذه القناعة: “أيّها القادة الغربيون! ليس بوسعكم التواري، أنت تدعمون الإبادة، سنُحاسِبكم على الإبادة”. يُؤتَى بهذا الهتاف عادة بنسخ متعدِّدة تستوعب إدراج أسماء كبار السياسيين وأبرز الشركات المتهمة بالتواطؤ مع الاحتلال وحرب الإبادة في قطاع غزة.

أبعد من التضامن
ما فعله بوشنل، بطريقة الاعتراض المتطرِّف مع النفس، يتجاوز مفهوم التضامن التقليدي مع قضية عادلة. فالواقعة تأتي ضمن حالة “ما بعد التضامن”، التي تتمثّل بتبنِّي القضية والانتماء العضوي إليها والتفاني في مناصرتها؛ مع البذل والمكابدة واحتمال العواقب والأثمان في سبيلها، وإن بلغت دفع غرامات وخسران امتيازات وفقدان وظائف، وقد وصل التفاني مع بوشنل إلى حدّ الاحتراق الذاتي عندما اقتنع بأنّ الموقف يتطلّب ذلك.

لا مبالغة في الاستنتاج بأنّ جماهير الميادين والشبكات التي تتحرّك لأجل غزة وترفع راية فلسطين حول العالم ترى ذاتها فلسطينيةً أيضًا، وينبغي فهمها كذلك، وقد يبدو أنّ بوشنل تصرّف كما لو كان فلسطينيًا؛ فلسطينيًا بمعنى الانتماء إلى قضية عادلة وإن بزغ من إثنية مُغايرة وثقافة مختلفة واختار طريقته الخاصّة في التعبير عن الموقف والانتماء.

لا ترفع هذه الأجيال والأوساط الغاضبة علم فلسطين أو تتوشّح بالكوفية لإظهار موقف عابر؛ فهي تُدرك مسؤولية مؤكّدة تتحمّلها عما يجري إنْ ارتضت إسقاط لافتاتها وكسر أقلامها وإخراس ألسنتها، فالصمت يقتل والتجاهل يشجِّع الإبادة.

صارت هذه الأوساط المتعاظمة تعتبر الوقوف مع فلسطين اختبارًا جادًّا لالتزاماتها القيمية والمبدئية بالأحرى، وهي تعدّ خذلان غزة والشعب الفلسطيني في هذا الموقف التاريخي ضربًا من التنكُّر لهذه القيم والمبادئ، بصرف النظر عن الصياغات المُنمّقة التي يلجأ إليها متحدِّثو الدول والحكومات الغربية الذين يتميّزون ببراعة مشهودة في تغليف سياساتهم وتسويق مواقفهم التي طالما استغفلوا بها جماهير الديمقراطيات غير المكترثة بما يجري وراء البحار.

الجسد هو الرسالة
تحدّث المنظِّر الإعلامي الكندي مارشال ماكلوهان في أواسط القرن الماضي عن مقولته: “الوسيط هو الرسالة”، فأراد بوشنل على هذا المنوال تقريبًا إحراق السردية المهيمنة بشأن فلسطين والعالم عبر سكب مادة حارقة على بدنه وإشعال النار فيها، واتّخذ جسده واسطة في ذلك. رأى فعله “عملًا احتجاجيًا عنيفًا”، كما قال قبيل الإقدام عليه، لكنّ هذا العمل يُعدّ بالأحرى من أكثر مظاهر الاحتجاج السلمي قسوةً مع الذات، وقد أوضح في سرده المُصوّر المبثوث شبكيًا أنّ هذه القسوة تبقى أهون ممّا يُسلّط على الشعب الفلسطيني في حرب الإبادة الجارية.

انضمّ آرون بوشنل إلى مشاهير هذا الأسلوب في الاعتراض؛ مثل الشاب التشيكي يان بالاخ، الذي أشعل النار في جسده في براغ سنة 1969 سخطًا على الاجتياح السوفياتي الذي أجهز على موسم الإصلاحات القصير المعروف باسم “ربيع براغ”.

كان الشاب التونسي محمد البوعزيزي مثالًا مشهودًا في العالم العربي، عندما أحرق جسده سنة 2010؛ تنديدًا بإهانته وحرمانه من رزقه الشحيح على قارعة الطريق في سيدي بوزيد المهمّشة، فأشعل شرارة الجماهير مغربًا ومشرقًا.

ثمّة حالات أخرى شهيرة سبقت بوشنل، منها الراهب البوذي الفيتنامي تتش كوان الذي أحرق نفسه سنة 1963 في سايغون تنديدًا باضطهاد البوذيين في جنوب فيتنام. عمد آخرون إلى صنيع شبيه، منهم راهب بوذي كوري أحرق نفسه في سول سنة 2017؛ تنديدًا باتفاق تسوية مع طوكيو بشأن استغلال اليابان آلاف النساء الكوريات جنسيًا أثناء الحرب العالمية الثانية واستعبادهنّ.

ويبقى هؤلاء وهؤلاء قلّة من وفرة هائلة العدد ممّن سلكوا هذا النهج دون أن يُلتفَت إليهم، كما جرى مع المتظاهر الذي أضرم النار في جسده قبالة قنصلية الاحتلال في أتلانتا في ديسمبر/ كانون الأول 2023.

لن يحتاج جنود الجيش الأميركي إلى انتهاج مسلك زميلهم بوشنل بحذافيره، يكفيهم التقاط الرسالة والتعبير عنها بطرائق متعددة، كما فعل جنود سابقون اجترؤوا على إحراق ملابسهم العسكرية في بورتلاند بعد ثلاثة أيّام من الحدث، تأسِّيًا بما قام به الضابط في سلاح الجوّ، وهو ما يُؤذِن بموجة جديدة من الاعتراضات أطلق آرون شرارتها.

آصرة الفرد والجماهير
لا يستقيم في الحالات الاعتيادية إسقاط حالات فردية على عموم الجماهير، فالتصرّفات الاستثنائية التي يُقْدِم عليها أفراد لا تصلح من تلقائها لقراءة اتِّجاهات الكمّ المجتمعي. لكنّ بوشنل وإنْ مثّلت تعبيرًا متطرِّفًا في كيفيتها فإنّه جاء بالمضامين ذاتها التي تتمدّد عبر أوساط جماهيرية أميركية وغربية منذ شهور خمسة سبقت موقفه المُصوّر. انبثق فعله من اتجاه مجتمعي صاعد في صفوف الشباب خاصّة، بصرف النظر عن النسب المئوية المرصودة في الاستطلاعات حسب البيئات والمقاطع الزمنية.

يُعبِّر شعار: “ليس باسمنا” عن لحظة إفاقة جماهيرية على واقع يُقترَف في مكان آخر بالنيابة عن شعوب الديمقراطيات الغربية؛ اقترافًا ظلّ محجوبًا في كيفيّته وتواطؤاته عن جمهرة هذه الشعوب التي بدت راضية بالسردية الدعائية المعتمدة بشأن ما يُمارَس مع العالم عمومًا و”الشرق الأوسط” خصوصًا. ظهر بوشنل في هذا المشهد ليقول على طريقته: ليس باسمي، أو كما ذكر في مرافعته: “لن أكون ضالعًا في الإبادة بعد اليوم”.

وإذ حرص هذا الشاب الذي اختطف أنظار العالم على الظهور بزيِّ الجيش الذي يتماثل فيه مع صفوف ممتدّة من مواطني بلده، الذين يخدمون الدولة وينصاعون لسياساتها وأوامرها؛ فإنّه سدّد من هذا الوجه رسالة مفادها أنّه جاء إلى موقع سفارة الاحتلال والإبادة تعيينًا في واشنطن العاصمة؛ كي يعترض من موقعه في الخدمة العسكرية في سلاح الجوّ على نهج راسخ ينتهك مبادئه ويزعزع ضميرَه.

لم يختلف بوشنل في المضمون، إذن، عن موقف جماهير أميركية وغربية تعلن غضبها من سياسة دعم الإبادة، وإن اختار الفتى التعبير عن الفحوى عينها بطريقة خاصّة. وجدت هذه الطريقة من فورها أصداء واسعة لدى الجماهير التي قدّرت تضحياته الغالية، خاصّة أنّه أميركي أبيض يحظى بامتيازات وفرص عيش وآفاق ارتقاء وظيفي، فاستهلم المتظاهرون كلماتِه وباشروا تلاوتها في تظاهرات رمزية وتجمّعات تأبينية تخيّرت مواقعها بعناية، كما فعل بوشنل من قبلهم.

هكذا تكلّم آرون بوشنل
من القسط القول إنّ جسد بوشنل المحترق لن يُغيِّر سياسات لم تزعزعها مشاهد الإبادة الوحشية ولن تكترث بأشلائه المتفحِّمة أيضًا، حتى إنّ قادته العسكريين تغيّبوا عن فعاليات التأبين الجماهيرية التي أقيمت له، كما كان متوقّعًا.

ستبقى واشنطن العاصمة وحليفاتها على جانبي الأطلسي وفيّة لنهجها المعهود، وقادرةً على ابتلاع مرارة الانشقاق العسكري الرمزي الذي أظهره ضابط سلاح الجوّ وتمرير لحظته الحرجة، وستجتهد المنصّات الإعلامية في صرف الأنظار عن سؤال “لماذا؟” بأحابيل التأويل التي تحاول نزع المغزى من الحدث وإطفاء جوهر الاعتراض، كي لا ينجح فتى سلاح الجوّ في تشغيل الأذهان والضمائر في اتجاه غير مرغوب، وإن رُفعَت صوره في الميادين وتردّدت كلماته بين الجماهير.

وقد وجدت تقارير التشويش على قضية الحدث سبيلها إلى الصحافة الرصينة ذاتها، حتى في “واشنطن بوست” المرموقة التي نشرت تقريرًا في باب “الجرائم المحلية والسلامة العامّة” بعد يومين من الواقعة، تناولت فيه بيئة نشأة آرون على نحو يُجاري مسعى عزل تأثير الحالة عن الوسط المجتمعي ويصمه بالتطرّف الديني والنزوع الفوضوي. بيد أنّ بوشنل مضى بعد أن أوْقد شعلة الكلمات الصريحة التي تفهمها أوساطٌ عريضة من جيله، وستبقى عباراته مُتاحة للتداول والاستلهام في الحاضر والمستقبل.

لعلّ ما أراد بوشنل قوله للأجيال: الحقّ الحقّ أقول لكم، وتضحيتي بنفسي تشهد على إخلاصي لما أقول، الحقّ أننا والغون في الخطيئة، ضالعون في اقتراف الفظائع، وإن لم نرغب في الإقرار بذلك. ها أنا أتطهّر من الخطيئة الجماعية بطريقتي فتبرّؤوا بها بطرائقكم، اهتفوا كما أهتف، وكونوا مُخلصين للحرية بحقّ.

استلهم بعضُهم في التداول الشبكي مفهوم بوشنل في التضحية والفداء من زوايا متعددة، ذلك أنّه وضع ذاته على مذبح الإبادة كي يفتح الأبصار ويُحرِّك الأذهان ويزلزل الضمائر، بعد أن عجزت هتافات الملايين الهادرة في ديمقراطيات الغرب عن تحريك ساكن أو تسكين متحرِّك.

إنّها خطيئة جماعية لا فردية؛ هذه التي عبّر عنها في مرافعته الأخيرة، فحاول عبر هذا الموقف تحرير ذاته من وخز الضمير وتحفيز الجماهير على التحرُّر من تراكمات الغفلة وتقاليد التقاعس. شُوهد بوشنل في اليوم التالي على ملصقات صوّرته في لحظة “استشهاد” ملحمية محمولًا بزيِّه العسكري بين ذراعيْن طاهرتين تحيط برأس صاحبها هالةُ قداسة، في استعادةٍ بصرية لعقيدة “الصلب والفداء” في السردية الكنسية وإسقاطها رمزيًا على تضحية بوشنل بحياته العزيزة فداءً لما هو منها أعزّ؛ أي كرامته وإنسانيته كما تصوّرهما.

اختار بوشنل القفز من حاملة الطائرات كي يتخندق مع شعب فلسطين، وأُوحي بذلك في منطوق القول ومشهود التضحية. شوهد بعد احتراق بدنه في مواقع عدّة. تجلّى لبعضهم عند الجدار العنصري الذي شيّده الاحتلال في الضفة الغربية، بدا في هيئة بطولية مقابل فتى فلسطيني يؤدِّي له التحية العسكرية بإكبار واعتزاز وكأنّه ظهر له من أنفاق غزّة.

رآه آخرون بطلًا محلِّقًا بجناحين في أفق الحرية التي أرادها لفلسطين، وأزاح في تشكيلات بصرية أخرى أسطورة رامبو السينمائية المفتعلة ليمنح زيّ الجيش الأميركي، أخيرًا، صفة المقاومة العادلة وتحرّر الشعوب بعد أن جعله الطيّار العسكري مادّة اشتعال. تكاثرت التصميمات الرسومية على هذا النحو في مواقع التواصل وتجمّعات الجماهير، بصفة عبّرت عن التقاط الرسالة الملحمية التي صاغها ضابط سلاح الجوّ في موقفه وجسّدها في لحظته التي ستبقى عالقة في أذهان الشعوب.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات