الإثنين 15/أبريل/2024

ما وَهَنّا ما وَهنّا… وداعاً!

د. أسامة الأشقر

لقد دمروا كل شيء، وغيّروا معالم هذا الساحل القديم، ولم يتركوا أيّ عمران حضاريّ شاهدٍ فيه، وغيّروا معالم القرية والحي والشارع والمدينة، ولم يتبق من الأمكنة سوى الذكريات، ومزّقوا الحياة هناك، وأفسدوا كلّ شيء…

شرّدوا الصغار في الخيام، ولم يدَعوهم يعتادون خيمتهم الصغيرة، فهذه الخيمة الباكية تبحث كل يوم عن مأمن جديد في خارطة جديدة بلا عنوان…

حدثني أحد الذين كانوا يثبّتون الناس: إنني الآن أهيم على وجهي، من تبقى من عائلتي وعائلات إخوتي وأخواتي ينظرون إليّ أنني كل شيء بقي لهم، لا يريدون أن يتركوني، وأنا لا أكاد أحمل نفسي من الوجع، أحتاج إلى عملية جراحية مستعجلة، لكنني لست على قائمة الأولويات، لا أنام ليلاً ولا نهاراً رغم أنني مهدود تماماً، حتى حبة المسكّن باتت عزيزة يا صديقي! أعطاني أحدهم مائة دولار فشكرتُه قائلاً: أكرمك الله لقد أعطيتني الآن قوت يوم واحد لثلاثة من عيالي، لقد أصبح كل شيء عزيزاً غالياً!

يقول لي: لقد تركت ورائي في بيتي المقصوف تراثاً علميّاً غزيراً، وربّيتُ علماء ليرثوني ويَخلفوني، لكنني أعلم أنهم الآن قد دفنتهم الأنقاض التي سقطت عليهم، وسأرسل لك ما تبقى في جوّالي لتحفظه إذا رأيتني ارتقيتُ !

لم أتمالك نفسي، كانت كلماتي التي ألفظها تنزف دمعاً فتميّع الحروف، وكأنني أدردم الكلمات كطفل يتعلم النطق لأول مرّة!

قال لي: لا أدري كيف أقولها لك: إننا جميعاً منكوبون ومجروحون ومدمرون ومهدودون، وقلْ كل ما تريد، لكن لا يمكننا أبداً أن نتذكّرهم بأي شيء حسن، لقد زرعوا فينا الحقد العميق الذي لا يشفيه الانتقام، نعم إنّهم يقهروننا، وكثيرون أصابهم اليأس، والذي لم ييأس قد جرفته الظنون، وهو محتار مفتون من جنون هؤلاء الوحوش!

اسمع مني: إنهم يريدون قهرنا، إنني أشعر بالقهر الآن، حتى إنّهم لا يريدون منا أن نستسلم، لو تركونا نستسلم لفعلنا لِما نراه من الهول، إننا في الجحيم، وقد غمرنا اليأسُ!، الله لا يريد لنا أن نذلّ أو نفكّر بالاستسلام، إنهم يقتلون من يستسلم، ويعذبون من يأسرون منا، وقد قتلوا الأسرى ورموهم للكلاب، لقد أصبحنا جميعاً هدفاً للغوغاء الذين يفتكون بنا بأسلحتهم المجنونة!

لا أرى أمامي الآن إلا بندقيّة تحفظ لي كرامتي، وتحفظ لي ذكرى قد يذْكرها عني من تبقّى من أهلي وذريتي… وداعاً، فقد قيل لي إن ثمّة حياةً أخرى وراء هذا الدمار، أريد أن أهيِّئ مجلس الجنّة فيها لمن يلحقني منهم سريعاً، ليس لي شيء هنا !

وغادر وهو ينشد: ما وَهَنّا ما وهنّا… نحن أحفادُ المثنّى !

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات