الإثنين 19/فبراير/2024

مفكر عربي: غزة ستنتصر وتستقل وسيكون لها مطارها وميناؤها

مفكر عربي: غزة ستنتصر وتستقل وسيكون لها مطارها وميناؤها

الدوحة – المركز الفلسطيني للإعلام

عبّر المفكّر العربي وأستاذ الشؤون الدولية في جامعة قطر الدكتور محمد المختار الشنقيطي عن تفاؤله الشديد بمستقبل القضية الفلسطينية بعد معركة طوفان الأقصى، التي ستؤدي في نهايتها إلى ما فيه خير الشعب الفلسطيني والمنطقة برمّتها.

وقدّم الشنقيطي في حواره مع المركز الفلسطيني للإعلام “رؤيته” المتفائلة التي يرى في نهايتها “استقلال غزة” حيث ستكون دولة شبه مستقلة، وإن كان لن يعترف بها، ولكنها ستكون شبه مستقلة بعد هذه الحرب، مثل استقلال قبرص الشمالية وسيكون لديها مطارها وميناؤها لأنّ العدوّ يحتمل بقاء غزة تحت سيطرته.

وأشار الشنقيطي في السيناريو الذي رسمه لنهاية هذه الحرب، بأنّه ربما يأتي الإسرائيليون بأمريكا والناتو ويضعونه بينها وبين غزة، ولكن هذا سيكون مكسبًا عظيما لفلسطين، فإذا كان شعب غزة حقق ما حققه، تحت الحصار، والمقاومة حققت ما حققته رغم الحصار، فإنّها إذا رفع الحصار وتمّ الانفصال الكامل عن العدوّ فإنّ ما ستحققه سيكون أكبر وأخطر وأعظم في المستقبل، على حد وصفه.

وفي الخطوات التي أوصلته للنتيجة السابقة يقول الشنقيطي إنّه ولتقييم أداء المقاومة وما حدث في طوفان الأقصى حتى الآن نحتاج أن نرجع إلى ما يتحدث عنه علماء الدراسات الإستراتيجية وهو أنماط الانتصار، ويمكن أن تحقق الانتصار بتدمير قوة العدو، ويمكن أن تحققه بكسر إرادة العدوّ ويمكن أن تحققه بمجرد الصمود في وجه العدوّ، أو مجرد الاستمرار في المقاومة، أو مجرد الحفاظ على وجودك.

ولفت إلى أنّ الحكم على الانتصار والهزيمة في الحرب هو أمرٌ نسبيٌ بحسب موازين القوى، وبحسب الغايات، وبناء على هذا، فإنّه بلا شكٍ، ما تحقق في عملية طوفان الأقصى حتى الآن، هو أشبه ما يكون بالمعجزة العسكرية، كون المقاومة الفلسطينية تستطيع أن تصمد حوالي أربعة أشهر بوجه أعتى الجيوش، في المنطقة، وأشرسها وأقلها اعتبارًا لأيّ روادع قانونية أو سياسية أو أخلاقية، عدوّ يتسم بكل هذه الهمجية ولديه كل هذا الدعم الدولي العسكري والسياسي.

وأشار إلى أنّ هذا أشبه ما يكون بالمعجزة، وإذا ما أضفنا إلى هذا أنّ مساحة غزة صغيرة جدًا وهي مسطحة ولسيت بلادًا شاسعة مثل الجزائر أيام حرب التحرير الجزائرية ولا فيها جبال فيتنام وأدغالها أيام حرب فيتنام، فلا يوجد في أي غزة أي من المقومات التقليدية التي تضمن الانتصار في حرب التحرير.

وقال الشنقيطي إنه وكون المقاومة حققت كل هذا مع عدم وجود ظروف موضوعية وتضاريس ملائمة، هذا كله أشبه ما يكون بالمعجزة العسكرية، وهذا كله يدل على القوة المعنوية الهائلة لدى المجاهد الفلسطيني، ويدل على أنّ العملية تم التخطيط لها تخطيطًا محكما ولفترة طويلة وبحاسة إستراتيجية مرهفة.

وحول قراءته لسلاح الأنفاق الذي استخدمته المقاومة، أوضح أنّ هناك سابقة تاريخية في موضوع الأنفاق، وهي تلك الأنفاق الموجودة أيام حرب فيتنام، وهي للآن موجودة، وتعتبر معلمًا سياحيًا بالنسبة لزائري دولة فيتنام، لكن هي أرض متسعة، وهم لجأوا للأنفاق كوسيلة إضافية إلى التضاريس الموجودة من جبال وأدغال ووديان.

ولفت إلى أنّ الأنفاق في غزة هي تعويض اصطناعي عن التضاريس الطبيعية، فالمجاهد الفلسطيني ليس لديه ما لدى المجاهد الجزائري من جبال وغابات وصحراء شاسعة، وليس لديه ما لدى الفيتنامي من تضاريس، فلا شك أن التعويض عن التضاريس الطبيعية بهذه الأنفاق، سيدخل كتب التاريخ باعتباره من أعظم المعجزات العسكرية والأداء العسكري في تاريخنا المعاصر.

وأوضح الشنقيطي أنّ هذا من الأمور التي جعلت العدوّ يقرأ المقاومة قراءة خاطئة، لأنّه لم يعتقد أنها بهذه الوسائل الاصطناعية تستطيع أن تحقق ما لم يتحقق عادة في بلادٍ شاسعة، وأضف إلى هذا أنّ غزة تعيش تحت الحصار، والذين يكتبون في حروب التحرير وحروب العصابات يقولون إنها لا تنجح إلا إذا كان لديك جوارٌ داعمٌ.

ولفت إلى أنّ مما يزيد من عظمة الأداء الذي تحقق انعدام وجود جوارٍ داعمٍ، ويفترض في حرب التحرير أن يكون لديك جارٌ داعمٌ ذو هيبة.

وخلص إلى أننا إذا أخذنا هذه الأمور بعين الاعتبار ندرك حجم العبقرية العسكرية، وحجم القوة المعنوية، ومستوى الإعداد والأداء الرائع في هذه الحرب حتى الآن.

وتابع الشنقيطي حديثه حول معجزة أخرى، تتمثل في صمود شعب غزة وهو شيء لا يوصف، لأنّ في حالة الجزائر وفيتنام وحروب التحرير الأخرى، المقاتل لا يوجد بالضرورة مع الشعب في المكان نفسه، في الجزائر تستطيع أن تضرب المحتل داخل المدن ومن ثم تهرب للجبال أو الصحراء، في غزة للأسف بسبب ضيق المكان لا ملجأ، فالمقاتل والشعب يوجدان في مكانٍ واحد، والمقاتل تحت الأرض والشعب فوق الأرض، وهذا يعني أنّ ضريبة الدم التي يتحمّلها الشعب، هو أكثر مما تحملته شعوب أخرى، كان اتساع المساحة لصالحها.

واستدرك بالقول: لذلك لا بد أن نؤكد أن صمود وصبر واستعداد أهل غزة ورفضهم للتهجير ودعمهم للمقاومة مع كل هذا الثمن، هذا هو المعجزة الثانية في طوفان الأقصى مع المعجزة العسكرية في أداء المقاومة.

وقال الشنقيطي: هي ليست حرب التحرير الشاملة لفلسطين، بطبيعة الحال، لأن حرب التحرير الشاملة لا بد أن تكون كل مكونات الشعب الفلسطيني مشاركة فيها، الكتل الفلسطينية الكبرى التي هي غزة والضفة والداخل، لا بد أن تكون كلها مشاركة حينما تكون حرب التحرير.

ولفت إلى أنّ طوفان الأقصى هي خطوة جريئة ومرحلة في غاية الأهمية من الثورات الإقليمية في فلسطين، وليست من الثورة الوطنية الشاملة، من الواضح أنّ المقاومة رغم إعدادها الرائع في غزة، لم تستطع إعدادًا مماثلا في الضفة وكذلك الداخل، وبالتالي الكتل الكبرى لم تشارك في حرب التحرير الكبرى.

وأشار الشنقيطي، حتى نضع الموضوع في سياقه الدقيق دون مبالغة، هي تدشين لحرب إقليمية (كإقليم من فلسطين) تمهد لحرب التحرير الشاملة، التي تحتاج لبيئة إستراتيجية مواتية، وهذه البيئة الآن ليست موجودة بكل أسف، وهذا ما تستطيعه المقاومة من الحروب المحدودة في هذه اللحظة.

وقال إنّ ثورات الربيع العربي تفجرت بعد حرب غزة الأولى، وأنا أتوقع أن طوفان الأقصى والشحن النفسي والمعنوي الهائل والآلام الدفينة في قلوب كل الشعوب العربية والإسلامية، هذا النوع من المخزون النفسي لا يضيع هدرًا، بل كالبركان الخامد الذي يعبّر عن نفسه في لحظة معينة، ولذلك أتوقع أن طوفان الأقصى سيكون من نتائجه الإستراتيجية بعيدة المدى إعادة تفجر بركاني جديد وثورات جديدة في المنطقة ستكون أقوى، وستكون أشرس وأعظم نتائج من ثورات الربيع العربي التي تفجرت في خواتيم 2012، وبداية 2011.

وفي إجابته على هذا السؤال، قال الشنقيطي: من المهم جدًا ضرورة الفصل بين الجانب الإنساني والجانب الإستراتيجي، ولو حسبنا الأمور بالثمن الإنساني نقول هذه تضحيات كبيرة ولا يستحق كل هذا الثمن، وهذا تفكير إنساني وليس تفكيرًا استراتيجيًا، هذا النوع من التفكير الإنساني يصلح في حرب الحدود ولا يصلح في حرب الوجود، فحروب التحرير هي حروب وجودية إمّا أن تكون أو لا تكون، فإمّا أن يكون الشعب الفلسطيني أو يكون الاحتلال الإسرائيلي.

وشدد على أنّ حرب الوجود لا تحسب بالثمن، لأنّها مسألة وجود أو عدم، مسألة حياة أو موت بالنسبة لأمّة كاملة، وأنا أعتقد أنّ الذين ينظرون بالمعايير الإنسانية رغم تقديري لمشاعرهم الإنسانية، لكنهم يغفلون الجانب الإستراتيجي وهو أنّ حروب التحرير ليس لها ثمن.

وأوضح الشنقيطي بالقول: حوالي مليوني فيتنامي قتلوا من أجل التحرر من الاستعمار الأمريكي، وحوالي مليون ونصف شهيد جزائري من أجل التحرر من الاستعمار الفرنسي، فهل نظنّ أن تحرير فلسطين لن يكون بغير ثمن، وسيكون باهظًا لأنّ هذه طبيعة حروب التحرير، أن تكون أو لا تكون.

وخلص إلى أنّه: إما أن تقبل الاندثار أو تكون أمة عزيزة النفس لها خيار ولديها تاريخ وحضارة وهذا عدوٌ غاصبٌ طارئ عرضي، وأنت الجوهر والأساس، ولا بد أن تحافظ على كيانك، وفي هذه الحالة لا تحسب فلا يوجد ثمن للوجود.

واستدرك المفكر العربي بالقول: لولا طوفان الأقصى كانت ستحل كوارث إستراتيجية وأضرار لا مرد لها ومعالجتها فيما بعد، فالأقصى في خطر وهم يعدون العدة لهدم الأقصى أو تملكه وتقسيمه زمانيا ومكانيا، وكان يمكن أن تتحول إسرائيل إلى كيان طبيعي، بل تتحول إلى قلب منطقة الشرق الأوسط والقوة المحركة للإقليم نيابة عن الأمريكيين وهذه مصيبة أخرى، رحل الإنجليزي فسلمونا للأمريكيين، ورحل الأمريكيون فسلمونا للإسرائيليين.

وأكد على أنّه حينما تصل الأمور إلى حدود معينة ليس أمامك سوى المبادرة والمخاطرة، وسوى ذلك معناه الاندثار والانتهاء، فطوفان الأقصى كان ضرورة لتفادي مصائب كبرى، والمياه التي حركها الطوفان ستؤدي لتغيرات كبرى ليست في قضية فلسطين فحسب، ولكن في المعادلات الإقليمية والصراع الدولي حول المنطقة.

وحول استمرار أمريكا في دعمها اللامحدود للاحتلال، اكد الشنقيطي أنّ (إسرائيل) في النهاية ستأخذ أمريكا والنفوذ الأمريكي والغربي إلى الهاوية وحصاد مائتي عام من النفوذ الغربي في المنطقة هذا كله سيفقده الغربيون بسبب “إسرائيل”.

ولفت إلى أنّ “عبادة إسرائيل والعبودية لها قضية عميقة في المجتمع الأمريكي، فالنخبة السياسية الأمريكية نوعان (ديمقراطيون يعشقون إسرائيل)، و(جمهوريون يعبدونها)، فنحن ما بين عاشقٍ لإسرائيل وما بين عابدٍ لها، من يعشقها عشقًا دنيويا ومن يعبدها عبادة دينية، هذه النخبة السياسية الأمريكية”.

واستدرك الشنقيطي بالقول: ولكن من بركات طوفان الأقصى صحوة ضمير داخل الشعب الأمريكي وخصوصًا جيل الشباب الجديد، ولكنّ هذا لن تترتب عليه نتائج سياسية في المدى القريب، وأعتقد أنّ أمريكا ستظل سادرة في غيها بسبب ارتباطها بالإسرائيليين وبالصهاينة إلى أنّ تدفع ثمنا فادحًا من فقدان نفوذها ومكانتها ومصالحها في المنطقة، ولن تنتبه لذلك إلا بعد فوات الأوان”.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات