الأربعاء 28/فبراير/2024

جنوب أفريقيا والحرب على غزة.. نموذج مشرف

د. بدر حسن شافعي

خطوات تصعيدية عدة، اتخذتها جنوب أفريقيا خلال الفترة الأخيرة تجاه إسرائيل؛ بسبب حربها على غزة، كان آخرها مطالبة المحكمة الجنائية الدولية بضرورة التدخل للتحقيق مع قادة تل أبيب بتهمة ارتكابهم جرائم حرب وإبادة جماعية في قطاع غزة، بالرغم من علمها المسبق، بأنّ إسرائيل ليست عضوًا بالمحكمة، ولا تعترف بولايتها القضائية.

سبق هذه الخطوةَ خطواتٌ أخرى؛ منها تحميل الرئيس سيريل رامافوزا إسرائيلَ مسؤولية التصعيد لعدم تنفيذها القرارات الدولية الخاصة بحل الدولتَين، فضلًا عن ارتدائه الكوفية الفلسطينية؛ تضامنًا مع شعب غزة، ومرورًا بإبداء استعداد بلاده للوساطة بين حماس وإسرائيل للتوصل لهدنة إنسانية تسمح بوقف الحرب، ودخول المساعدات.

وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا هذا التصعيد؟ وهل هو مرتبط فقط بالحرب الأخيرة على غزة، أم له خلفيات تاريخية؟، وهل يشكل منعطفًا جديدًا في السياسة الخارجية للبلاد في ظل الرئيس الحالي، أم هو النهج نفسه الذي صار عليه أسلافه بعد انتهاء حقبة الفصل العنصري أوائل تسعينيات القرن الماضي، بداية من نيلسون مانديلا، مرورًا بثابو مبيكي، فجاكوب زوما، وصولًا لرامافوزا ذاته!

علاقات وطيدة إبان الفصل العنصري
يمكن القول، إنّ هذا النهج الأخير لجنوب أفريقيا، ليس جديدًا، وإنما يرتبط بانتهاء نظام الفصل العنصري في البلاد أوائل تسعينيات القرن الماضي، والذي يعد نقطة فارقة في العلاقة مع تل أبيب.

فخلال الحكم العنصري للبلاد” حكم الأقلية البيضاء”، حدث تقارب كبير مع إسرائيل حتى قبل نشأتها، بدايةً من تأييد بريتوريا قرارَ التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، والقاضي بقيام دولة إسرائيل على 56% من أراضي فلسطين، مرورًا بسرعة الاعتراف بها عام 1948.

ثم شهدت العلاقات تقاربًا أكبر مع رفض بريتوريا قطعَ علاقاتها معها، أسوة بالعديد من الدول الأفريقية؛ تضامنًا مع العرب في حرب 1973، وهو ما استغلته تل أبيب عبر مجموعة من الإجراءات لمحاولة شق الصف الأفريقي، فقام شيمون بيريز أول وزير للدفاع بعد حرب أكتوبر بزيارة سرية لبريتوريا، أعقبها بعام واحد “1974”، رفع مستوى العلاقات الرسمية إلى مستوى سفارات، بدلًا من قنصليات، مع نقل المقر من جوهانسبرغ إلى العاصمة بريتوريا، ثم التوقيع على اتفاق أمني “سري” في العام التالي “1975” تقوم بموجِبه إسرائيل ببيع دبابات وطائرات مقاتلة وصواريخ طويلة المدى لجنوب أفريقيا.

وتردّد أن الاتفاق تضمن عرضًا لبيع رؤوس نووية أيضًا، كما شرعت تل أبيب في لعب دور الوسيط في شراء أسلحة نيابة عن النظام العنصري من دول رفضت التعامل معه؛ التزامًا بقرار مجلس الأمن الذي يحظر بيع الأسلحة له.

هذا التقارب بين الجانبين، كان له ما يبرره في حينها، حيث كان يرى كل منهما في الآخر وحدة النشأة والمصير، فكلاهما قائم على فكرة العنصرية: “البيضاء والسامية”، في مواجهة الآخرين: “السود – العرب” ، كما أنّ كليهما يعيش في جوار إقليمي غير ملائم: “الإحاطة العربية بإسرائيل، والإحاطة الأفريقية بالبيض، ومن ثم لا بدّ من وجود معازل ” كانتونات” تعزل هذه الأقلية” النقية” عن الأغلبية.

تحولات في العلاقة بعد انتهاء الفصل العنصري
لكن هذا التقارب الوطيد بين النظامين، شهد تباينات عدة مع انتهاء نظام الفصل العنصري على يد حركة التحرر الوطني الأفريقي، بزعامة نيلسون مانديلا، وبروز حكم الأغلبية السوداء لأول مرة في تاريخ البلاد. وهي الأغلبية التي أعلنت دعمها لكل من تبقى من حركات التحرر الوطني في العالم للتخلص من كافة أشكال الاستعمار.

لذا لا غرابة في أن يقوم مانديلا بعد أسبوعين من إطلاق سراحه من السجن ” فبراير 1990″، بلقاء الرئيس الفلسطيني، رئيس منظمة التحرير في حينها الراحل ياسر عرفات، وتأكيده خلال اللقاء الذي عُقد في زامبيا، على وجود قدر كبير من التشابه بين نضال حزب المؤتمر الوطني، ونضال منظمة التحرير الفلسطينية.

صحيح أنّه لم يوافق في حينها على ميثاق المنظمة قبل تعديله والذي ينصّ على تدمير إسرائيل، لكنه اتخذ نهجًا متوازنًا عبّر عنه عام 1993؛ أي قبل توليه الحكم بعام بقوله: ” نحن نصرّ على حق دولة إسرائيل في الوجود داخل حدود آمنة، ولكن بالقوة نفسها ندعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير الوطني”، وهو ما أكده مجددًا بعد توليه الرئاسة في خطابه عام 1997؛ بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي نظمته الأمم المتحدة، حيث قال: “حريتنا غير مكتملة بدون حرية الفلسطينيين”.

هذا النهج المتوازن لمانديلا، هو الذي سار عليه أسلافه من بعده، وهو الذي يفسّر أسباب انتقاد بريتوريا لإسرائيل في كل حروبها السابقة ضد غزة، بدايةً من 2008، وما بعدها 2012 و2014 و2021″، وكان الاتهام واضحًا لتل أبيب في كل مرة، باستخدامها القوة غير المتناسبة في التعامل مع غزة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل حرص النظام في جنوب أفريقيا، على التواصل مع حركة المقاومة الفلسطينية. ففي أكتوبر 2015، استضاف حزب المؤتمر الحاكم، وفدًا لحماس بقيادة رئيس الحركة في حينها خالد مشعل، ووقّع الرئيس زوما خلال الزيارة، رسالة دعم للفلسطينيين، كما وصف أحد كبار قيادات الحزب الحاكم سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين بأنها “جريمة ترعاها الدولة”.

وكانت الخطوة الأهم في العلاقة مع تل أبيب، تلك التي اتخذها النظام نهاية 2017، بتخفيض التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل من سفارة إلى مكتب اتصال؛ ردًا على اعتراف إدارة ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل.

كما وضعت بريتوريا نفسها في طليعة الدول التي تتبنّى حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ضدّ إسرائيل؛ بسبب ممارساتها ضد الفلسطينيين، كما قادت معسكر الرفض العربي والأفريقي لقبول تل أبيب بصفة مراقب في الاتحاد الأفريقي.

إنّ هذا النهج التصعيدي لجنوب أفريقيا- رغم أنها لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية بصورة كاملة مع إسرائيل، ورغم أنها أقرت بأن خطوتها الأخيرة باستدعاء دبلوماسييها من تل أبيب تأتي في إطار التشاور، والاطلاع على الأمر- يكشف أمرَين أساسيين:

الأول: أن النظام اتخذ خطوات عملية بغض النظر عن فاعليتها، للتعبير عن رفضه الحربَ ضد غزة، سواء أكان ذلك من خلال اقتراح الوساطة، أم المطالبة بإحالة إسرائيل للمحكمة الجنائية الدولية، كما أنه كان سباقًا للعديد من الدول العربية والأفريقية التي لم تقم حتى باستدعاء سفرائها للتشاور، أو تخفيض التمثيل الدبلوماسي، وليس قطع العلاقات كما تطالب به شعوب هذه الدول.

الثاني: أن هذا الموقف التصعيدي من النظام، لا ينطلق من مطالب حكومية فقط، وإنما شعبية أيضًا، بالتالي فإن النظام بهذه الخطوات “الرمزية”، المتخذة، ساهم في زيادة شعبيته بصورة كبيرة، وهو ما قد ينعكس عليه “إيجابًا” في الانتخابات التي تشهدها البلاد العام القادم.

ولعلّ التساؤل الأهم في نهاية المقال: لماذا لا تستغل العديد من النظم العربية- التي تعاني تراجعًا شعبيًا بسبب العديد من الإخفاقات الاقتصادية والسياسية الداخلية- الحرب ضد غزة، للتقارب مع مطالب شعوبها الرافضة للتطبيع والمطالبة بالفتح المستمر للمعابر لإدخال المساعدات؟!

لا شك أن الاستجابة ” ولو جزئيًا ” لهذه المطالب، ستساهم في رفع شعبيتها على غرار نموذج جنوب أفريقيا، وستجعل شعوبها تغضّ الطرف -ولو مرحليًا- عن معاناتها الداخلية، ما دامت معاناة أهالي غزة هي المتصدرة للمشهد.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات