الثلاثاء 18/يونيو/2024

منظمة التحرير.. ذوبان في السلطة وتفرُّد يزيدها ضعفًا

منظمة التحرير.. ذوبان في السلطة وتفرُّد يزيدها ضعفًا

نبوءة الرافضين لأداء منظمة التحرير الفلسطينية تتحالف مع قرائن الواقع السياسي لمؤسسة فلسطينية انحرفت بوصلتها من مشروع  تحرر وطني إلى منظمة تتعارض مع حالة الإجماع الوطني.

بين مرحلة أكثر من ضعيفة وأقل من جامعة لفواعل المشهد السياسي الفلسطيني، تؤدي المنظمة دوراً مكرراً يتمسك بنهج التسوية رغم معارضة عدد من فصائلها لها وإقفال الباب أمام دخول فصائل أخرى لمؤسساتها التنفيذية والمركزية والمجلس الوطني.

وعدِّل ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية بعد توقيعها اتفاق أوسلو عام 1993م مع الاحتلال، وأُلغيت المواد المتعارضة معه، ما شكل اعترافاً بشرعية الاحتلال فوق 78% من أرض فلسطين التاريخية.

ومع تنكّر دولة الاحتلال لالتزاماتها في عملية التسوية وفشل مباحثات كامب ديفيد عام 2000م ورحيل الرئيس ياسر عرفات لم يبق من أداء السلطة الفلسطينية التي ذابت فيها المنظمة تحت هيمنة فتح سوى وظيفة التنسيق الأمني وعدد من المزايا الاقتصادية.

نهج مختلف
لا يزال الدهر يأكل ويشرب على شعارات منظمة التحرير التي نادت كثير من فصائلها بضرورة إصلاحها، في حين ظلت فتح ترفض شراكة حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في المنظمة.

 
وتعد اللجنة التنفيذية أعلى سلطة في منظمة التحرير، وتتولى تنفيذ السياسات التي يقررها المجلس الوطني الفلسطيني، لكن رحيل مؤسسي العمل الثوري في اللجنة أفسح المجال لدخول أعضاء جدد، نهجهم مختلف، ودورهم مؤثر في السلطة الفلسطينية.

ووصل حسين الشيخ وزير الشئون المدنية قبل أيام إلى عضوية اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير خلفاً لصائب عريقات، ليحل مكان الدبلوماسي المتمرّس في مفاوضات التسوية،  المسؤول الأول عن التنسيق الأمني مع الاحتلال.

ويرى اللواء يوسف شرقاوي، الخبير في الشؤون العسكرية، أن منظمة التحرير الفلسطينية قبل عام 1982م ليست هي المنظمة بعد عام 1982م؛ لأنها كانت قبل انسحابها من لبنان مشروع تحرر وطني، واليوم أضحى نهجها شيئا من الماضي.

ويضيف لـ“المركز الفلسطيني للإعلام”: “ثبت أن مخطط هنري كيسنجر والملك الحسن لإنشائها وصل بها للاعتراف بإسرائيل والقول إنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني مضى في النهاية نحو الاعتراف بشرعية إسرائيل”.

ولم تفلح جميع مباحثات الفصائل منذ عام 2005 لإصلاح مؤسسات منظمة التحرير، وتدحرجت كرة النقاشات حتى استبشر الفلسطينيون عام 2021، بالاتفاق على إجراء انتخابات متوالية وشاملة فشلت في اللحظة الأخيرة، ومنحت الانقسام وتدهور المنظمة عمراً جديداً.

انتهاء حقبة عرفات ورحيل الكبار المؤسسين للعمل الثوري في حركة فتح انعكس سلباً على أداء منظمة التحرير بزعامة رئيس السلطة محمود عباس ومن حوله من فريق يرفض الكفاح المسلح أداة من أدوات المقاومة، ويميل لنهج التسوية رغم تنكّر الاحتلال له برمته.

ويرى المحلل السياسي إبراهيم حبيب، أن تعيين حسين الشيخ وزير الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة يتماهى مع رغبة الاحتلال في الحفاظ على مهمة التنسيق الأمني في السلطة الفلسطينية.

ويتابع لـ“المركز الفلسطيني للإعلام”: “الشيخ لا يتورع أن يسوّق التنسيق الأمني الذي يترأسه كمصلحة فلسطينية في حين يصب غضبه على الحالة الوطنية، ويعد الانقسام جزءا أساسيا ما دام هناك من يرفض الاعتراف بواقع الاحتلال بطريقة سلبية في المشهد الفلسطيني”.

تغري الإدارة الأمريكية راعية عملية التسوية الأولى والأخيرة السلطة الفلسطينية بإمكانية استئنافها، في حين انصرفت أجندة إدارة “بايدن” الرئيس الأمريكي لأجندات دولية في صراعهم مع الصين وروسيا وكل ما يريده في الشرق الأوسط مجرد تسكين أزماته.

ولم تعد القضية الفلسطينية تتصدر أزمات الشرق الأوسط وغادرت باب النفاذ لضبط العلاقة بين الاحتلال ودول عربية في زمن التطبيع؛ الأمر الذي دفع الفلسطينيين للتفكير في تفعيل نهج المقاومة الشعبية الشاملة في فلسطين.

أقل من دولة
تعيش منظمة التحرير تناقضاً قطبياً بين دورها الوطني والسياسي الذي أقره ميثاقها كمظلة جامعة للفصائل وفلسطيني الداخل والشتات، وواقعها السياسي المنصهر في أتون السلطة الفلسطينية.

وعلى قاعدة القبول بالتفاوض مع الاحتلال في كل المراحل وأحياناً دون شروط، تمضي السلطة الفلسطينية التي أضحت أكثر تأثيراً من منظمة التحرير الفلسطينية.

ويرجع الخبير “شرقاوي” الذي نشط في قوات منظمة التحرير في لبنان انحراف بوصلة المنظمة إلى تفرّد بعض قياداتها بإجراء مباحثات سرية بعد عام 1982 يوم وعدهم “فيليب حبيب” عرّاب السياسة الأمريكية في لبنان بكيان سياسي.

ويتابع: “حبيب أخبر بعض قادة المنظمة أنهم سيحصلون خلال 10 أعوام على كيان أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة، وهذا دمّر نهج المنظمة التحرري بعد خروجها من لبنان عام 1982م”.

تعطيل رئاسة السلطة الفلسطينية لعقد الانتخابات الفلسطينية عام 2021م والذي كان يشكل المخرج الوحيد لإصلاح المنظمة وإقفال صفحة الانقسام كان بطاقة دخول لتشريع عمليات التعيين الأخيرة في لجان المنظمة.

“الإصلاح والمصالحة والمشاركة” غابت عن منظمة التحرير، وإنجازهما لا بد أن يمر -حسب رؤية الخبير “شرقاوي”- من بوابة الانتخابات طريقةً شرعية لإصلاح المنظمة، وتفعيل دور فصائل داخل المنظمة وخارجها.

ويستنكر المحلل “حبيب” اختزال دور لجان عريقة في منظمة التحرير الفلسطينية قامت على آلية الانتخابات بعمليات تعيين قفزت عن منجزات وتضحيات سنوات طويلة من الصراع مع الاحتلال.

ويتابع: “وجود شخصيات مثل الشيخ في لجان المنظمة المهمة سيكون له أدوار محورية في أي مشاريع سياسية قادمة، وهذا لا يرضي قيادات من فتح نفسها ولا من بقية الفصائل، وهو تكرار لمنظومة السلطة المهيمنة على المنظمة”.  

إعادة صياغة لجان المنظمة بشكل يتواءم مع أداء السلطة الفلسطينية الذي لم يبق منه سوى التنسيق الأمني وامتيازات محدودة يزيد من تعقّد المشهد الفلسطيني الذي تقاتل فصائله من أجل تصحيح المسار والخروج من متاهة التسوية التي أجهضت ربع قرن من الوقت والعمل دون جدوى.

 فهل تنجح أم تستمر حالة التفرد ونهج الإقصاء ومسيرة حرف بوصلة النضال الفلسطيني؟

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات