الثلاثاء 16/يوليو/2024

السلطة تُغضب أبوظبي.. ما علاقة غاز غزة وإلى متى يبقى صندوقا أسودًا؟

السلطة تُغضب أبوظبي.. ما علاقة غاز غزة وإلى متى يبقى صندوقا أسودًا؟

منذ ربع قرن، وملف حقل الغاز المقابل لشاطئ غزة يعيش حالةّ من الضبابية لم تكشف فيه السلطة الفلسطينية عن تفاصيل عجزها الاستفادة من الحقل الذي يعد مورداً مهماً بإمكانه دفع عجلة الاقتصاد الفلسطيني إلى الأمام. 

اكتشف حقل الغاز المسمى “مارين غزة” أواخر التسعينيات، وظل دون تطوير وفي نوفمبر 2015، وقع صندوق الاستثمار الفلسطيني مع الحكومة الفلسطينية مذكرة تفاهم لاستيراد الغاز الفلسطيني من الحقل في وقت لم يتم فيه الكشف عن تفاصيل أكثر حول مذكرة التفاهم.

ورفضت السلطة الفلسطينية قبل أيام انضمام دولة الإمارات العربية المتحدة لمنتدى غاز شرق المتوسط الذي يضم إيطاليا و”إسرائيل” والأردن وقبرص واليونان ومصر دون أسباب واضحة.

وكانت السلطة الفلسطينية عام 1999، منحت عقد حصري لشركتي مجموعة بي جي البريطانية وشركة سي سي سي المملوكة لفلسطينيين للتنقيب عن الغاز، ومع بدء عمليات التنقيب اكتشف في عام 2000 حقلين من الغاز على بعد 30 كيلومترًا من شواطئ غزة، وعلى عمق 600 متر تحت سطح البحر.

وأطلق على الحقل الأول اسم غزة مارين ويقع كليًّا ضمن المياه الإقليمية الفلسطينية قبالة مدينة غزة.

أما الحقل الثاني فهو الحقل الحدودي مارين 2، والذي يقع ضمن المنطقة الحدودية البحرية بين قطاع غزة و”إسرائيل”.

وعاش ملف الغاز الذي أسند لاحقا للصندوق القومي الفلسطيني حالة من السجال تساءلت فيه فصائل فلسطينية عن تفاصيل ومستقبل الملف الذي وقعت فيه قبل أيام السلطة مذكرة تفاهم بينها وبين مصر لماذا لم يستفد الفلسطينيون منه؟.

ويتساءل مراقبون عن استمرار المواقف المبهمة للسلطة الفلسطينية برئاسة عباس في ملف الغاز؛ الأمر الذي وصل لرفض دخول دولة عربية لمنتدى غاز شرق المتوسط، هل له أبعاد تتعلق بمواقف سياسية شخصية لعباس أم مبررات أخرى؟.

مصير مجهول

قبل أسابيع أُثير ملف غاز غزة حين وقعت السلطة الفلسطينية ممثلة  بصندوق الاستثمار الفلسطيني، اتفاقية تطوير حقل غاز “غزة مارين” والبنية التحتية اللازمة له، مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية “ايجاس”.

وطالب عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” موسى أبو مرزوق، السلطة الفلسطينية، بكشف تفاصيل الاتفاقية مع مصر مضيفاً: “إذا كانت غزة مضطرة لاستيراد الغاز الطبيعي من الاحتلال لمحطة الكهرباء الوحيدة في القطاع، فلا يجب أن نقف متفرجين، وثرواتنا الطبيعية تذهب بعيداً”.

ورد حسين الشيخ، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، بالقول “الاتفاقيات تتم بين دول، وفلسطين عضو في منتدى غاز المتوسط”.

وكانت الشركة البريطانية حددت قديماً الكمية الموجودة من الغاز في بحر غزة بحوالي 1.4 تريليون قدم مكعب، وهو ما يكفي غزة والضفة الغربية لمدة 15 عامًا.

ومع تصدّر ملف غاز المتوسط سلم النزاعات الاقتصادية والسياسية في الإقليم؛ فاجأت السلطة دولة الإمارات برفض انضمامها لمنتدى غاز شرق المتوسط الذي تشكّل لمجابهة خصوم أقوياء على رأسهم تركيا.

ويؤكد معين رجب، أستاذ علم الاقتصاد، أن دولة الإمارات ليس دولة مشاطئة للبحر المتوسط، لكن رفض السلطة الفلسطينية انضمامها لابد أن يكون له أسباب واضحة.

ويضيف لـ”المركز الفلسطيني للإعلام“: “الأصل التقارب مع أي دولة عربية حتى لا يزداد الموقف العربي تمزّقاً، لا حرج في إعلان أسباب الرفض إن كان له مبررات مقنعة”. 

وأبقت السلطة الفلسطينية تفاصيل مستقبل ملف حقل غاز غزة طوال أكثر من عقدين طي الكتمان في ملف تثور حوله شبهات الفساد وهيمنة الاحتلال، حتى انقطع عمل شركات التنقيب في الحقل، وبقي للفلسطينيين غاز لا يعرف مصيره ولا المسئول عن حرمانه منه.

ويمنح منتدى غاز شرق المتوسط الذي تحضر فيه فرنسا كعضو، والولايات المتحدة الأمريكية كمراقب، مصر دوراً مهماً في تسويق الغاز على عدة دول من حولها في محاولة لمواجهة النفوذ التركي المهم في ملف الغاز، بينما لا تزال لبنان محرومة من غازها الوفير مع استمرار خلافاتها الحدودية مع “إسرائيل” و انفجار ميناء بيروت.

ويرى محمد مصلح، المحلل السياسي، أن موقف السلطة من الإمارات في غاز شرق المتوسط قد يحمل أبعاداً تتعلق بمواقف شخصية لرئيس السلطة تجاه الإمارات، وإن كانت أعادت عملها الدبلوماسي معها بعد اتفاقيات التطبيع العام الماضي. 

ويتابع لـ”المركز الفلسطيني للإعلام“: “الإمارات تضغط على عباس لإعادة محمد دحلان، وهناك موقف داعم لمصر غير صريح كذلك، عباس يعد عودته تحديا شخصيا، ويرى أنه الوحيد صانع السياسية الفلسطينية في المنطقة ولا يقبل بمنافس”.

اتفاقيات التطبيع العربية مع “إسرائيل” أنتجت نموذجاً إماراتياً صادماً تخطى شكل التمثيل والعلاقات الدبلوماسية، وهو ما أغضب السلطة إلى حين، لكنها اضطرت لاحقاً للاعتراف بواقعه.

تطورات مهمة

وفي ظل إعادة انتاج المشهد السياسي الفلسطيني مع اقتراب الانتخابات وانقسامات تاريخية في صفوف حركة فتح، قفز ملف الغاز إلى الواجهة كاشفاً عن أكثر ملفات الاقتصاد الفلسطيني حساسية وضبابية.

وكشف تحقيق صحفي لقناة الجزيرة القطرية عام 2019م، كيف تعاملت السلطة الفلسطينية مع استخراج الغاز بصفقات مشبوهة، وفرض الاحتلال الإسرائيلي التأميم لهذا الغاز.

وورد في تحقيق “ما خفي أعظم” وثائق تثبت نقاوة غاز غزة مما يسهل بيعه، وقربه من الشواطئ مما يسهل عملية استخراجه؛ حيث تحدث خبراء في مجال الطاقة أنه يوفر 4.5 مليارات دولار سنويًّا، وأن “إسرائيل” نهبت أكثر من 1.5 تريليون قدم مكعب.

وعرض البرنامج وثائق أفادت بتفويض السلطة الفلسطينية لمحمد رشيد -المقرب من القيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان، بالتفاوض والتصرف نيابة عن السلطة قبل أن تلاحقه بقضايا فساد ونهب للمال العام وغسل الأموال.

ويقول المحلل رجب، إن سنوات الانقسام ألهت الفلسطينيين عن توحيد موقف وطني في ملف الغاز الذي يعد حقًّا طبيعيًّا كفله القانون يمكن الاستفادة منه بتوفير مورداً اقتصادياً ثرياً.

ويشير رجب إلى أن الإمارات تسعى دوماً لتسجل حضور في موانئ وموارد الإقليم خاصة على البحر الأحمر، وأنها توسع وتنوع من استثماراتها لتعزيز قوتها الاقتصادية والسياسية.

ولا أحد يدري لماذا تغضب السلطة الفلسطينية الإمارات الآن، هل لأسباب تتعلق بمقربين منها لعبوا دوراً فاسداً في سنوات ماضية في ملف الغاز رغم حضور الأردن كعضو، وهي دولة عربية غير مطلة على البحر.

ويوضّح المحلل مصلح أن عباس في هذه المرحلة يحاول ممارسة دوره السياسي في أكثر ملفات المنطقة حساسية، وأن التطبيع الذي تبنته الإمارات يتعارض مع اتفاق أوسلو الذي يعدّ مهندسه، وينافي جوهر المبادرة العربية عام 2002م كآخر رؤية عربية لحل الصرع.

وفيما يرى مراقبون للمشهد السياسي لفلسطيني أن عباس لم ينجح في مشروعه السياسي القديم “أوسلو”، وأدت ممارساته لانقسامات في حركة فتح، إلا أنه سيظل متمسكا برؤيته السياسية المنفردة التي تمضي في مرحلة يستعد فيها الفلسطينيون لتجديد شرعية مؤسساتهم، وإعادة انتاج علاقاتهم الدولية والعربية.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات