الخميس 20/يونيو/2024

فلسطينيو 48.. بؤرة الصراع والصداع لـإسرائيل

فلسطينيو 48.. بؤرة الصراع والصداع لـإسرائيل

العنصرية الإسرائيلية في المخطط الإستراتيجي لتحييد فلسطينيي 48 عن أتون الصراع تفرغ حمولتها في مشاهد الجريمة والعنف وإرهاب القيادات المجتمعية والسياسية للتراجع خطوة إلى الخلف وإعادة إنتاج المشهد السياسي والميداني فوق أرض فلسطين التاريخية جميعها.

وتتعدى تحديات الحياة اليومية للفلسطينيين في أرض فلسطين التاريخية وعرب 48 معضلة أعمال العنف التي باتت تختطف وتهدد حياة قيادات المجتمع والحياة السياسية في المدن والبلدات العربية إلى استهداف صمودهم التاريخي ودفاعهم المستمر عن المقدسات والوجود الفلسطيني الأصيل في كيان يمارس التفرقة والتمييز العنصري بحق الفلسطيني.

يبلغ تعداد فلسطينيي 48 أكثر من مليون ونصف، ويشكلون محطة مهمة في الانتخابات الإسرائيلية، ويدعمون مرشحين لهم في “الكنيست” للدفاع عن الحقوق العربية في الداخل المحتل، ويطلّون بصمودهم في ملفات المقدسات عامةً والمسجد الأقصى خاصّةً في زمن التطبيع العربي وانتكاسة المشهد السياسي الفلسطيني في سياق الانقسام.

وشكلت جريمة اغتيال القيادي في الحركة الإسلامية بمدينة يافا المحتلة محمد أبو نجم واحدة من سلسلة جرائم ممنهجة أطلقت فيها قوات الاحتلال عقال الجريمة والعنف بشكل مقصود تجاه شخصيات مؤثرة في المجتمع العربي بالداخل المحتل.

وسبقت جريمة اغتيال أبو نجم واقعة إطلاق نار على رئيس بلدية أم الفحم السابق سليمان اغبارية و5 ضحايا آخرين في جرائم عنف وإطلاق نار طالت شخصيات عديدة في مدن وبلدات فلسطين المحتلة وسط تجمعات سكانية لفلسطينيي 48 على مرأى ومسمع الشرطة الإسرائيلية.

صراع وجود
الحديث عن يهودية الدولة والقومية اليهودية داخل أرض فلسطين المحتلة لم يكن إلا وصفة ناجحة رأت طريقها لأروقة القانون والسياسة الإسرائيلية لتحييد أكثر من 20% من سكان “إسرائيل” عن المشهد برمته.

تصريحات الساسة وقادة الأمن في “إسرائيل” تتحرك بين الكذب والتدليس في ملفات بالعنف والتمييز التي يعاني منها فلسطينيو 48؛ فهم أطلقوا يد الجريمة المنظمة في محاولة لتبرير عمل جهاز “الشاباك” والوجود الأمني الإسرائيلي المكث داخل المدن والبلدات العربية.

ويؤكد د. جمال عمرو، الخبير في شئون القدس والاستيطان، أن قيادة الاحتلال تنظر بقلق كبير لنضوج الوعي الوطني الفلسطيني في الداخل المحتل الذي يناضل لنصرة الحقوق الفلسطينية ويصطف خلف قيادة عربية واعية نالت ثقة الفلسطينيين في أرض 48.

ويضيف لـ”المركز الفلسطيني للإعلام“: “لا تريد إسرائيل من الفلسطينيين هناك أن يتوحدوا خلف قياداتهم المجتمعية والسياسية. الحركة الإسلامية تشكل رافعة مرجعيتها المسجد الأقصى كقاسم مشترك بين المسلم والمسيحي، والاحتلال باغتيال أبو نجم يوجه ضربة مزدوجة للحركة الإسلامية وملف الأقصى وأي تفاعلات أخرى لن تخرج عن ذلك”.

ومنذ نكبة فلسطين عام 1948م حافظ فلسطينيو الداخل المحتل على هويتهم وصمودهم في مواجهة عنصرية الاحتلال، وناضلوا في كثير من المحطات مقدمين الشهداء والجرحى، ولعل يوم الأرض في 30 آذار 1976م وهبة القدس والأقصى عام 2000م خير شاهد على دورهم.

مخطط مصادرة الأرض الفلسطينية التي حرمت فلسطينيي 48 من ممتلكاتهم تضرب في عمق الوجود العربي داخل فلسطين التاريخية، وهي سياسة ماضية تتضح ملامحها في مخطط “برافر” الذي يصادر مليون دونم في النقب المحتل، ويطرد الفلسطينيين هناك نحو تجمعات قليلة مبقياً على بقية البلدات والقرى في النقب خارج الاعتراف الرسمي.

ولا يمكن فصل الهجمة الاستيطانية في الضفة المحتلة والقدس وملف مصادرة الأرض في بقية البلدات في الداخل المحتل عن مخطط النيل من الوجود الفلسطيني؛ فـ”إسرائيل” تكثف من مصادرة الأرض وفق قانون “أملاك الغائبين” بالضفة في حين تتحدث في مبدأ يهودية الدولة لطرد جزء كبير من فلسطينيي 48 في المثلث خارج أرضهم التاريخية نحو أراضي للسلطة الفلسطينية.

ويشير الخبير عمرو أن “إسرائيل” تمارس سياسة التصفية بحق القيادات الفلسطينية في الداخل المحتل لتشكل حالة فراغ مصطنعة تملؤها بشخصيات أخرى متواطئة معها تماماً كما يحاول المستوطنون الآن تفريغ الأقصى والقدس ويتصدى لهم في كل جولة فلسطينيو 48.

ويرى رجا اغبارية -عضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد في الداخل المحتل- أن انتفاضة القدس عام 2000م شكلت محطة مهمة في الدفاع عن الوجود الفلسطيني حين استشهد 13 شهيداً، ومن يومها بدأت “إسرائيل” تطلق يد الجريمة المنظمة في المدن والبلدات العربية.

ويتابع لـ”المركز الفلسطيني للإعلام“: “هذه دولة لليهود، ونحن تائهون؛ فالبعض يحاول تسميتنا بغير فلسطينيين، ولسنا في الوقت ذاته إسرائيليين، وهذا أمر مقصود، وتصاعد الجريمة والهاجس الأمني هو محاولة لإلهائنا عن عملنا السياسي ومكافحة العنصرية ودعم الشعب الفلسطيني، فقضيتنا وطنية وحتى نبقى في حالة دفاع عن النفس فقط”.

وتراجعت هموم الفلسطينيين في أراضي 48 من أجندة العمل السياسي في المشهد الفلسطيني عامةً؛ فالاحتلال يحاول إسقاطهم من المشهد في الداخل المحتل والانقسام والضعف السياسي الفلسطيني لم يعد يذكر معاناتهم المتواصلة رغم أنهم خط الدفاع الأول في الصراع، وثباتهم هو بؤرة العمل في تقرير المصير للشعب الفلسطيني بأكمله.

العنف والجريمة
أضحت أخبار جرائم القتل والعنف مادة صحفية حاضرة أسبوعيًّا في الوسط العربي لدى الداخل المحتل، فقد قتل منذ مطلع العام الجديد 2021 في البلدات العربية، في غضون أقل من شهر، 6 ضحايا، في حين شهدت الأعوام القليلة الماضية تصاعداً ملحوظاً في جرائم القتل والعنف، كانت فيها الشرطة الإسرائيلية آخر من يحاسب المجرمين.

يقول د. جمال عمرو: إن “إسرائيل” تكثف من ممارسة التصفية الجسدية لقيادات ورجال المجتمع في الداخل المحتل في مشهد تطهير لجميع القيادات المؤثرة في المجتمع العربي؛ بهدف إزالة التماسك المجتمعي والسياسي لديهم ومواصلة مصادرة الأرض وإشاعة الفتنة وسط هذه الفوضى.

الميزان الجغرافي والديمغرافي يشكل كابوساً لدى الاحتلال يرفض فيه كشف التعداد الحقيقي للفلسطينيين في أرض 48؛ فهو تارةً يقدر تعدادهم بمليون ونصف وتارةً أقل، لكن جوهر القضية أنهم حافظوا على امتداد تاريخي للفلسطيني من أصل كنعاني ويبوسي وسامي في أرضهم.

يقول د. عمرو: “زيارتك لوادي عارة تسعدك برؤية موحدة لمآذن مساجد مضاءة باللون الأخضر الموحّد بينها وسط سيطرة إسرائيلية. استمرار الحضور الفلسطيني فوق أرضه يربك الاحتلال ويفشل مخطط يهودية الدولة، وليبرمان تحدث عن خطة طردهم من المثلث لأراضي السلطة. فلسطينيو 48 كنز فلسطين ويعرفون الجغرافيا والتاريخ وثقافة الاستمرار”.

العصابات الإجرامية التي تمارس القتل وإطلاق النار موجودة في الأراضي المحتلة جميعها، لكنها يد طليقة بشكل منظم في البلدات العربية وفق اتفاق ضمني بين أجهزة الأمن الإسرائيلية ورجال الجريمة.

ثبات فلسطينيي 48 فوق أرضهم التاريخية منذ وقعت النكبة يكسبهم ميزة الصمود الإستراتيجي في الصراع المستمر بميزان الجغرافيا والديمغرافيا التي تقلق السياسة الإسرائيلية دوماً، فهم حاضنة باقية ومتواصلة للوجود الفلسطيني في الأرض المحتلة وصل حد القلق الإسرائيلي من ثباتهم لدرجة إطلاق النار المباشر على رؤوسهم في جرائم منظمة.

ويشير رجا اغبارية -عضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد في أم الفحم- إلى أن كثيرا من القرائن تؤكد وجود علاقة مباشرة بين عصابات الجريمة وقيادة الشرطة التي تعلم جميع تحركاتهم ولا تفعل شيئا في البلدات العربية.

ويضيف: “أطلقوا يد الجريمة، وتذرعوا بدعوى ضرورة فتح مراكز شرطة في البلدات العربية، واليوم يطرحون على نواب الكنيست العرب أهمية وجود جهاز الشاباك ليقضي على الجريمة، ولو أرادوا فعلاً إنهاء الجريمة لقضوا عليها خلال سنة”.

ولا تحتل أحداث العنف وإطلاق النار على خلفية عشائرية أو عائلية الدرجة الأولى في سلم الجرائم، ولعل حادثة اغتيال أبو نجم وإطلاق النار على رئيس بلدية أم الفحم السابق سليمان اغبارية خير دليل.

القوى السياسية في الداخل المحتل مختلفة حول كيفية الرد على تواطؤ الشرطة أمام أحداث العنف والجريمة؛ فبعضهم يرى الرد بالتنسيق مع الحكومة، وآخرون يتهمون الحكومة والشرطة بالتواطؤ، وفئة ثالثة تهدد بالاستقالة لمدة مؤقتة لإجبار حكومة “إسرائيل” على لجم العصابات والجريمة المنظمة.

ويتابع اغبارية: “في هبة الأقصى عام 2000م جمدنا العمل، واستقلنا من المشهد لأسبوع، حينها شعرت الحكومة بالخطر. الآن الجمهور منقسم مناصفةً حول المشاركة في الانتخابات المقبلة، والقائمة المشتركة لها 10-15 مقعدا بواقع 350 ألف صوت من أكثر من مليون و100 ألف ناخب، وهذا محط اهتمام الساسة الإسرائيليين”.

وتستغل حكومات اليمين الإسرائيلي المتعاقبة منذ عقدين ضعف المشهد السياسي الفلسطيني الذي غاب فيه فلسطينيو 48 عن تفاصيل العمل السياسي الفلسطيني كثيرًا لتعزز مخطط مصادرة الأرض؛ فبعد أن كان فلسطينيو الداخل يقطنون 94% من أرض 48 تراجعوا لمساحة لا تزيد على 2.5% فقط.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات