السبت 20/أبريل/2024

الدكتور عدنان مسودي.. شمس الفارس النبيل لم تغب

الدكتور عدنان مسودي.. شمس الفارس النبيل لم تغب

أن تجد غالبية أمارات العطاء والتفاني والفداء والإخلاص والتضحية في شخص رجل واحد فهذه من النوادر التي لا يرتقي لها إلا القلائل من الرجال، لكن الدكتور عدنان عبد الحافظ مصباح مسودي اجتمعت به تلك الصفات.

مسودي الذي أطل على الدنيا عام 1940م، ربا في حجر والديه بجوار المسجد الإبراهيمي في الخليل، وهو سليل أسرة تربت على الإسلام وتشربت من أخلاقياته وسلوكياته، فوالده الحاج عبد الحافظ مسودي الإخواني الفذ والناشط الدعوي في دار الإخوان المسلمين في الخليل والقدس، أما جده الحاج مصباح مسودي فقد كان صاحب طريقة صوفية تقيم حلقات الذكر.

التكوين والحياة العلمية

في ظل هذه الأجواء الدينية الإيمانية، نشأ الشاب المتوقد عدنان مسودي، والذي اعتاد صلاة الجماعة منذ صغره في المسجد الإبراهيمي دون انقطاع، وكان أحيانا كثيرة يرافق والده إلى أسر الإخوان المسلمين وحلقاتهم في دار الإخوان في الخليل، وفي مسجد أهل السنة، ومسجد القزازين القديم، ومسجد الأقطاب والكيال. هذه المساجد المحيطة بالمسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة من الخليل، والتي كانت تشكل ملتقيات لشباب الإخوان المسلمين في الخمسينات من القرن الماضي.

تلقى الدكتور مسودي تعليمه الأساسي والثانوي في مدارس مدينة الخليل، حيث تقول كريمته المربية أسماء مسودي: “كان والدي كما كان يحثنا، طالبا متفوقا وفطنا وناجحا ومتدينا يشار له من مدرسيه بالبنان، فقد كان مشهورا عنه تجميع الطلبة بعد الحصص المدرسية للقيام بصلاة الظهر جماعة، ويذكر أنه ذهب إلى مدير المدرسة مرة ليطلب منه تخصيص غرفة من غرف المدرسة للصلاة، وكان المدير بعثيا فقال له: “احنا مش فاتحين هون جامع!! لكنه أصر على تجميع الطلاب والصلاة فيهم إماما في الملعب الرياضي”.

وتضيف في حديث خاص لمراسلنا: “انتقل والدي إلى دراسة الطب في جامعة دمشق، وكانت تلك المرحلة هامة بالنسبة له في تكوين فكره الدعوي، فالتقى عمالقة الاخوان في الشام؛ الدكتور مصطفى السباعي، الدكتور عصام العطار، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والشيخ محمد الحامد، والشيخ علي الطنطاوي، وغيرهم كثير، وتأثر بخطب الدكتور عصام العطار وكان هو الذي يؤذن له أذان الجمعة قبل صعوده المنبر”.

وفي دمشق وقف طالب الطب المتوقد على حقيقة العمل الإخواني وانخرط في العمل الميداني والنشاط الطلابي داخل الجامعة، ليعود إلى الخليل طبيبا عامًّا حيث عمل عدة سنوات في مستشفيات الأردن وفلسطين وكذلك سوريا، ليعود إلى دمشق من جديد، ويتخصص في كلية الطب تخص جراحة الأنف والأذن والحنجرة، ويعود من بعدها في نهاية السبعينيات إلى الخليل حيث افتتح عيادة خاصة في منطقة بئر الحمص والتي تحولت إلى بؤرة انطلاق للعمل الدعوي الإخواني والعمل الخيري الإنساني.

قائد للإخوان

بعد عودة الدكتور مسودي إلى الخليل التقى بقدامى رجالات الإخوان (الحاج عيسى عبد النبي النتشة، الشيخ شكري أبو رجب التميمي، الشيخ يوسف نوفل، والممرض محمد أحمد المغربي، والحاج هاشم عبد النبي النتشة)، وغيرهم ليعود من جديد في تكوين عمل تنظيمي إخواني بعد هزيمة عام 1967م.

ويؤكد الحاج هاشم عبد النبي النتشة (أبو بلال) مسؤول كشافة الإخوان المسلمين في الخمسينيات، ورئيس الغرفة التجارية الصناعية الأسبق، البالغ من العمر (78 عاما)، على هذه المرحلة فيقول: “كانت عيادة الدكتور عدنان مسودي في منطقة بئر الحمص مقرا للإخوان ومكتبا لهم، ولقد خططنا مع الدكتور مسودي للعديد من الانتخابات والنشاطات من داخل عيادته”.

ويضيف الحاج أبو بلال النتشة في حديث خاص لمراسلنا: “كان الدكتور عدنان مسودي نموذجا فريدا في العطاء، فهو رباني من الطراز الأول، يحافظ على أذكاره، ويصوم النوافل، ويقوم الليل، ويحافظ على صلواته جماعة .. وكان قائدا سياسيا وقائدا اجتماعيا له الكثير من المآثر في العمل الإسلامي في محافظة الخليل”.

رائد العمل الاجتماعي

 برز عطاء الدكتور مسودي في ريادته للعمل الاجتماعي والمؤسسات الأهلية، فترأس الجمعية الخيرية الإسلامية في محافظة الخليل، والتي كانت ولا تزال تقدم خدماتها للأيتام وهي أكبر الجمعيات الخيرية في الضفة الغربية، وقاد مسيرتها عشرات السنوات عضوا ومديرا للبيت الخيري ورئيسا، فنقلها من مؤسسة بسيطة إلى مؤسسة رائده تشرف على 6000 يتيم، تقدم لهم المأكل والملبس والتعليم والمبيت، كما أشرف على مدارسها المتعدده الشرعية للذكور والإناث وطورها”

يقول الأستاذ سميح أبو عيشة (78 عاما)، وهو رئيس اتحاد الجمعيات الخيرية في محافظة الخليل ورئيس جمعية الهلال الأحمر: “كان الدكتور مسودي كتلة من العطاء الخيري؛ فكان عضوا في الهيئات العامة للعشرات من الجمعيات الخيرية، لكنه كان مبدعا في ريادة الجمعية الخيرية الإسلامية التي حولها لقلعة من العطاء الخيري وخدمة الأيتام”.

ويضيف في حديث خاص لمراسلنا: “الدكتور مسودي إنسان مميز في العطاء ، كان يشتغل ليلا ونهارا في خدمة الأيتام، همه الأكبر أن يسعدهم وأن يرسم البسمة على وجوههم .. كان لا يرتاح إلا إذا ارتاح الأيتام وأمن لهم كل ما يحتاجون” .

التأسيس والمواجهة

انتخب مجلس شورى الإخوان المسلمين في الخليل الدكتور مسودي رئيسا لمكتبها الإداري أكثر من مرة، وكان دوما يدعو إخوانه للتصويت على قرار النزول للميدان ومقاومة الاحتلال، لكن إخوانه كانوا يرون أن الفرصة لم تحن بعد، وفي عام 1985م كان الدكتور مسودي عضوا في المكتب الإداري للإخوان المسلمين في الضفة والقطاع، وكان يطرح فكرة تفعيل المقاومة وتمكن من انتزاع قرار آنذاك بالسماح لشباب الإخوان وخاصة في الجامعات الفلسطينية بالنزول إلى الميدان ومواجهة الاحتلال، وحينها جرت مظاهرات ومسيرات قادتها الكتل الإسلامية في جامعة النجاح وبير زيت والخليل، قدم خلالها الإخوان شهيدين أمام جامعة بير زيت هما: الشهيدان جواد سلمية وصائب ذهب.



وكشف الدكتور مسودي في مذكراته التي حملت عنوان: (إلى المواجهة .. ذكريات عن الإخوان في الضفة وتاسيس حماس) والذي صدر عن مركز الزيتونة في بيروت عام 2013م أنه كان أحد مؤسسي حماس، وأنه دفع أعضاء المكتب الإداري لإخوان الضفة والقطاع لاجتماع في منزل الدكتور حسن القيق بمدينة دورا في محافظة الخليل، وقد حضر الاجتماع من إخوان غزة: الدكتور ابراهيم اليازوري، والشيخ حماد الحسنات، والأستاذ عبد الفتاح دخان، ومن الضفة الغربية حضر الدكتور عدنان مسودي، والأستاذ ناجي صبحة، والمهندس حسن القيق، والشيخ سعيد بلال وأخرون لم يفصح عن أسمائهم وكان هذا الاجتماع في 23/10/1987م  وطرح الدكتور مسودي تأسيس حركة مقاومه إسلامية في الضفة والقطاع، وتم إقرار المقترح لكن صيغة القرار كما ذكر مسودي في مذكراته كانت: “قررنا تأسيس حركة مقاومة إسلامية، وأوكلنا قرار انطلاقتها لإخوان قطاع غزة كون ظروفهم أفضل منا لذلك”.

وعندما انطلقت حماس كان الدكتور مسودي أحد رموزها، وكان على تواصل مع الشيخ أحمد ياسين، وشارك في صياغة ميثاقها وبياناتها وعندما اختطفت حماس الجندي الصهيوني ناسيم توليدانوا عام 1992م وأبعدت 415 قياديا من حماس والجهاد، كان الدكتور مسودي على رأس المبعدين، وانتخب نائبا للأمير العام للمبعدين، وكان عضوا في مجلس ال 17 الذي كان يدير مرحلة الإبعاد.



رحلة الاعتقال

تعرض الدكتور عدنان مسودي إلى حملات اعتقال متعددة منها التحقيق العسكري والاعتقال الإداري، عند سلطات الاحتلال، وعند الأجهزة الامنية الفلسطينية.

يقول رفيق دربه (أبو محمد) الذي رفض الكشف عن اسمه لدواعي أمنية: “اعتقل الدكتور عدنان مسودي في حملة اعتقالات طالت غالبية قيادات حماس عام 1989 م، وتم التحقيق معه حول قيادته لحماس في الخليل وعلاقته بالشيخ أحمد ياسين، وتم الجمع بينهما خلال التحقيق، كما اعتقل إداريا مرات عديدة في معتقل النقب الصحراوي”.

وأضاف أبو محمد في حديث خاص لمراسلنا: “اعتقله جهاز الأمن الوقائي بتاريخ 8/12/ 2010م وأخضعه للتحقيق في ليالي الشتاء الباردة، وأشرف على التحقيق معه المحقق سامي حساسنة الذي أخرجه من زنزانته الساعة الثانية عشرة ليلا تحت وطأة الشتاء والبرد القارس، واستمر التحقيق معه أربع ساعات متواصلة تحت الضغط حتى أصيب بذبحة صدرية نقل على إثرها لمستشفى الميزان في الخليل، وأجريت له عملية قسطرة للقلب فورا، ولم يشفع له مرضه فأعيد للتحقيق لمدة أسبوعين وهو بحاجة الى علاج وراحة وقد افرج عنه وتوفي بعد شهرين من الاعتقال لدى السلطة “.

توفي الدكتور مسودي وغابت شمسه عن حركته وشعبه وإخوانه ووطنه، لكن آثاره الدعوية والسياسية لا زالت قائمة، حيث فاضت روحه إلى بارئها مساء يوم السبت (26-3-2011)، وشيع جثمانه من مسجد الأنصار في الخليل، وقد شارك في التشييع الآلاف من أنصار الحركة الإسلامية ومحبيه، فيما نعته حركة حماس في بيان رسمي لها على موقعها، ونعته الحركة الإسلامية في الضفة والقطاع والأردن، وكذلك الكتل الإسلامية والجمعيات الخيرية.
 

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات