الخميس 18/أبريل/2024

مجزرة الرواتب

أحمد أبورتيمة

لو نحينا العواطف قليلاً فإن ما حدث يعد تطوراً طبيعياً لأوضاع غير طبيعية تعيشها الحالة الفلسطينية منذ أكثر من عقد من الزمان.

لم تكن الحالة القائمة قابلةً للاستمرار وكما تقتضي سنن الأشياء فإن الطبيعة تسير دائماً في اتجاه تمييز المبهم وتحديد الهلامي وتوضيح المساحات الضبابية. 

منذ أكثر من عشر سنوات كان موقف السلطة تجاه غزة هو موقف المتأمل من العودة إليها يوماً ما وإعادة إحكام سيطرته عليها، ولهذا السبب تحديداً وليس لأسباب إنسانية حرص عباس على إبقاء موطئ قدم له في غزة عبر موظفي السلطة المدنيين والعسكريين؛ فاستمر في دفع رواتبهم، لكن حتى لا يكونوا عوناً لحماس في حكم غزة أمرهم بالقعود في البيوت فأصبحنا أمام واقع مناف لسنن الكون إذ من يقعد في بيته يستمر راتبه ومن يعمل يقطع راتبه، هذا الوضع مؤقت ولا يصلح للديمومة والبقاء، لذلك كانت نذر تغير ما باديةً منذ اليوم الأول لأننا إزاء اختلال اجتماعي غير طبيعي، عشرات الألوف يجلسون في بيوتهم ويتقاضون راتبهم دون أي عمل وأي عائد اجتماعي.. 

اليوم ابتعدت فرص عودة السلطة إلى غزة أكثر من أي وقت مضى لأسباب كثيرة منها أن مشروع السلطة ذاته لم يعد مرغوباً فيه إسرائيلياً ولا إقليمياً ولا دولياً، وهناك إشارات أن قطع رواتب موظفي غزة هو ضمن تصور أوروبي لإعادة توزيع منحتها المالية للسلطة، ويحضرنا هنا أيضاً تصريح مستشار ترمب قبل فترة عن إعادة توجيه الأموال المجمدة للسلطة لمؤسسات غير حكومية ولإعمار غزة، أما “إسرائيل” فيبدو أنها شطبت مصطلح “السلطة” من تفكيرها السياسي وصار الحديث الأكثر تردداً من مسئوليها وصحفييها هو الحديث عن صيغ مثل إدارة مدنية في الضفة أو كانتونات أو ضمها إلى أراضي دولة الاحتلال، أما غزة فانفتح عليها النظام المصري نسبياً بشكل مفاجئ وهو ما يؤكد فرضية قرب انتهاء مشروع السلطة.   

سنوات الطمأنينة التي كان يعيشها موظفو السلطة في غزة انتهت، والظهير السياسي الذي كانوا يستندون إليه لم يعد يعبأ بهم ولم يعد يفرق بين حمساوي وفتحاوي، وما كان يبدو مجرد مثاليات أخلاقية مثل القول بأنه كما تدين تدان أو أنه أكلت يوم أكل الثور الأبيض بات الآن واقعاً سياسياً فاقع الدلالة، فموظفو السلطة حين بدأ نهج عباس بقطع رواتب خصومه السياسيين بدءًا من حركة حماس وتثنيةً بتيار دحلان التزموا الصمت ولم يكونوا يتصورون أن الدائرة ستدور عليهم ما داموا مطيعين لرئيسهم لا يعصون أمره، لكن النهج الذي بدأه عباس مع حماس لم يكن سوى بداية تحمل بذوراً جنينيةً للمآلات التي بدأنا نشاهد بعضها واقعاً اليوم، وما تحمله المرحلة القادمة ربما يكون أكثر قتامةً واسوداداً..

نحن لسنا أمام قضية إنسانية عاطفية مع احترامنا لعواطف المتضررين؛ بل أمام مأساة سياسية كان لا بد أن تبلغ هذا الفصل الذي لن يكون الفصل الأخير، والغضب والاحتجاجات لن تصنع شيئاً إذ إن واقع غزة اليوم ومأساة أهلها المتزايدة مع كل إجراء جديد تقدم عليه السلطة ينبغي أن يستفزنا للتفكير في الخروج من هذا المأزق السياسي برمته، والبحث عن صيغ ومعادلات جديدة تعيد الحيوية إلى أهالي غزة، وتمنع تفاقم الأوضاع الإنسانية إلى حالة الكارثة.

ما هو المخرج السياسي الواقعي لمآسي غزة المتواصلة؟ يؤسفني أني لا أملك جواباً، لكن كل ما أستطيع قوله، إن عليها أن نغادر التفكير اللحظي بمنطق ردود الأفعال إلى الحلول الاستراتيجية التي تعالج جذور الأزمة وتمد غزة بأسباب الحياة.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات

استشهاد أسيرين من غزة في سجون الاحتلال

استشهاد أسيرين من غزة في سجون الاحتلال

غزة – المركز الفلسطيني للإعلام قالت هيئة البث الإسرائيلية، مساء اليوم الخميس، إن معتقلين اثنين من قطاع غزة استُشهدا خلال إحضارهما للتحقيق داخل...