الثلاثاء 28/مايو/2024

من معركة الكرامة إلى الشيخ أحمد ياسين

ساري عرابي

لعل قدر القضية الفلسطينية، وميزتها في الوقت نفسه، أن تعيد تعريف المفاهيم والمصطلحات، ومنحها المعاني الجديدة من خصوصية القضية نفسها، وإذا كان لكل قضية خصوصيتها وسياقاتها وملابساتها، فإن القضية الفلسطينية الأكثر فرادة واتسامًا بالخصوصية من بين تجارب التحرر ومكافحة الاستعمار.

وقد تكون عملية إعادة التعريف في جانب منها تعويضًا عن الفقر بالإنجاز المادي في الصراع، كمنح مفهوم النصر معنى جديدًا، ولكن هذه العملية المفهومية قد تكون من جانب آخر مقاومة نفسية ومادية للظروف الخاصة وللتفوق العسكري الهائل للعدو واختلال موازين القوى لصالحه، ومن جانب ثالث قد تكون دلالة على مرحلة فاصلة في التاريخ، أو قدرة الطرف الأضعف ماديًّا على فرض الاستعصاء على العدو بالرغم من تفوق العدو، وبهذا يحصل نوع من التعادل في الاستعصاء.

اعتبر الفلسطينيون معركة الكرامة (21 آذار/ مارس 1968) نصرًا عسكريًّا في حينه، بالرغم من انسحاب العدو بكامل قواته، تقريبًا، من بلدة الكرامة، بعد ما خلفه من خسائر ضخمة في الطرف العربي، الفلسطيني والأردني، إلا أن الخسائر القليلة التي تكبدها العدو، دفعت في حينه نحو إعادة تعريف مفهوم النصر، نظرًا لطبائع الصراع مع العدو الذي كان قد اعتاد على شنّ هذا النوع من الهجمات دون أن يكلفه ذلك الخسائر التي دفعها في معركة الكرامة.

اعتبر الفلسطينيون معركة الكرامة (21 آذار/ مارس 1968) نصرًا عسكريًّا فيحينه، بالرغم من انسحاب العدو بكامل قواته، تقريبًا، من بلدة الكرامة، بعدما خلفه من خسائر ضخمة في الطرف العربي، الفلسطيني والأردني

الدعاية الفلسطينية التي أعادت تعريف مفهوم النصر، واجتهدت في تقديم تصورها الخاص عن معركة الكرامة، هي التي جعلت فيما بعد لمفهوم النصر المؤسس على هذه المعركة بعدًا آخر، إذ نقلت المعركة الثورة الفلسطينية نقلة كبرى للأمام، ومنحتها دفعة ضخمة جعلتها تتصدر المشهد العربي، لأكثر من عقد من الزمان، بعدما انتشلت الجماهير الفلسطينية من قاع اليأس، وجذبتها بالآلاف إلى معسكرات الثورة وساحات القتال، بالإضافة لاجتذابها الجماهير العربية، وفرض القضية الفلسطينية من جديد على الأجندة الدولية، وتكريس الفلسطينيين أنفسهم فاعلاً مهمًّا في قضيتهم؛ كل ذلك في معركة بسيطة في بلدة صغيرة!

من الناحية الفعلية أدت تلك المعركة إلى هذه النتائج، ومن الناحية المعنوية دلّ التفاف الجماهير حينها حول الثورة على وعي الجماهير بطبيعة الصراع الذي لم يكن يحتاج حينها إلى أكثر من أن يخرج الفلسطينيون من يأس الهزيمة والضياع والانحدار، إلى موقع المواجهة والفعل والصمود. يذكرنا ذلك بمقولة ماوتسي تونغ: “إيقاظ أكبر عدد من الجماهير، بأقصر وقت، وبأفضل الأساليب”.

بالرغم من أن قرار الثبات وفق المعايير العسكرية، بما في ذلك معايير حروب الغوار، كان خطأ عسكريًّا صرفًا، إلا أن “فتح” في نشرة لاحقة لها، تشرح فيها النقاش الذي دار قبيل الكرامة بين من يدعو إلى الانسحاب ومن يدعو إلى الصمود؛ قالت: “لقد مارس العدو التقدم، ومارسنا نحن الانسحاب على مدار سنوات مواجهتنا له.. الأمة العربية تتطلع إلينا، وعلينا أن نتحمل مسؤوليتنا بشجاعة وشرف ورجولة، علينا أن نخلق معاني الصمود في ضمير الأمة، وعلينا أن نسحق أسطورة الجيش الذي لا يهزم”.

أيًّا ما كان الأمر، سواء كان قرارًا واعيًا بالهدف السياسي من الثبات، والذي أفاد لاحقًا في تثبيت قواعد الفدائيين في الأردن، أو كان قرارًا مغامرًا من فدائيي فتح وقوات التحرير الشعبية، كما رأت فصائل فدائية أخرى في حينه، وبصرف النظر عن السجال الذي لا معنى له حول وجود ياسر عرفات نفسه في المعركة، فإن قرار الثبات هذا هو الذي خلق ذلك التحول التاريخي في مسار القضية الفلسطينية.

إن المفهوم الفلسطيني الجديد للنصر كان قد استند إلى معطى واقعي وهو الثبات في المعركة، والدعاية السياسية والتعبوية التي لجأت إليها “فتح” حينها؛ كانت على قاعدة الكفاح المسلح مبدأ وركيزة وثابتًا، وهو ما جعلها أكبر المستفيدين من تلك المعركة بالرغم من الثقل الأساسي الذي مثلته فرقة المشاة الأردنية وكتائب الدبابات والمدرعات التابعة لها، فالأساس الذي نهض عليه القتال كان متباينًا، وهذا التباين هو الذي صنع الفارق الدعائي والسياسي لاحقًا.

ففي لحظة ما يتسع التاريخ لمن يملأ الفراغ، والمكسب الحقيقي في هذه الحالةيكون لمن يبادر بملء الفراغ، وقد أثبتت الكرامة بعد هزيمة العام 1967 أنالجماهير كانت متعطشة لمن يصحح المسار من بعد الهزيمة العربية الرسمية.

ثمة لحظة تاريخية التقطها صناع قرار الثبات في المعركة، كما التقطوا من قبل اللحظة التي قرروا فيها إطلاق مقاومة فلسطينية متحررة من الهيمنة العربية، ففي لحظة ما يتسع التاريخ لمن يملأ الفراغ، والمكسب الحقيقي في هذه الحالة يكون لمن يبادر بملء الفراغ، وقد أثبتت الكرامة بعد هزيمة العام 1967 أن الجماهير كانت متعطشة لمن يصحح المسار من بعد الهزيمة العربية الرسمية.

هذه الحقيقة تؤكد ما كان قد كتبه ماركس عن “حرب الغوار في إسبانيا”: “ولقد أصبح نشوء وحدات الغوار ظاهرة عامة عندما أصبحت وحدات الجيش النظامي ظاهرة منتظمة، ولما أصبح من العسير على أغلبية الشعب احتمال الهزائم على النطاق القومي، فقد راحت تصفق للانتصارات المحلية التي يحرزها أبطالها”.

تأكدت هذه الحقيقة مرة أخرى في العام 1987، حينما خلقت الجماهير الفلسطينية حالة جديدة، تملأ الفراغ من بعد خروج الثورة الفلسطينية من لبنان عام 1982، وهنا يُذكر الشيخ أحمد ياسين بصفته أحد أبرز مؤسسي “حماس” التي ولدت مع تلك الانتفاضة، وأعادت بناء نفسها مع الانتفاضة الثانية، وبنت على هذه الانتفاضة الأخيرة، قاعدة للمقاومة تذكر بقواعد الفدائيين في الأردن، ولكنها داخل فلسطين، وقد كان للشيخ رحمه الله، دور طليعي في الانتفاضتين.

كانت “حماس” الظاهرة الأهم في الانتفاضة الأولى، لاسيما باستمرارها حركة مقاومة كبرى وفاعلة حتى اللحظة، وهي بميلادها مع الانتفاضة الأولى كانت -إلى غيرها- محاولة فلسطينية كبرى لتصحيح مسار الحركة الوطنية، ومدافعة انحدارها، وتعويضًا عن خروج الثورة من لبنان، ورفعًا للروح المعنوية للجماهير التي شكّلت قلب وواجهة الحدث الكانوني العظيم في العام 1987 وما تلاه من سنوات الانتفاضة.

وإذا كان يمكن ردّ قرار الثبات في الكرامة إلى “فتح”، فإن تفجير الانتفاضة الأولى كان شاهدًا على عبقرية التاريخ، ووعي الجماهير الفطري، فقد كانت تلك اللحظة ذروة التراكمات النضالية متعددة الاتجاهات التي كانت تدفع نحوها، بيد أن قرار “حماس”، تُمكن العودة فيه إلى الشيخ أحمد ياسين إلى حدّ كبير، بالرغم أيضًا من تشابه “حماس” مع الانتفاضة التي ولدت في رحمها، فقد كانت “حماس” خلاصة جهود كثيرة في أماكن متعددة.

حين الحديث عن الشيخ أحمد ياسين والذي استشهد في 22 آذار/ مارس 2004، فإنناأمام المعاني ذاتها التي ارتكزت إليها الكرامة أو ولّدتها؛ المبادرة،والثبات، والصمود، والقتال، واستنهاض الجماهير، ورفع معنوياتها

حين الحديث عن الشيخ أحمد ياسين والذي استشهد في 22 آذار/ مارس 2004، فإننا أمام المعاني ذاتها التي ارتكزت إليها الكرامة أو ولّدتها؛ المبادرة، والثبات، والصمود، والقتال، واستنهاض الجماهير، ورفع معنوياتها، وهذه المعاني هي التي حافظت على قضيتنا، وحالت دون أسرلتنا، وكانت دائمًا تعيد إنتاج القضية كلما بدا أنها في طور التصفية النهائية.

للأسف خسرت “فتح” لأسباب موضوعية وذاتية أهم مكتسب مادي مباشر من الكرامة وهو قواعد الفدائيين على طول الحدود الشرقية لنهر الأردن، ثم انحدرت في مشروع التسوية، وقد وصلت إلى السلطة الفلسطينية ضمن الوضع القائم الذي يبدو فيه وعي الفلسطينيين في الضفة الغربية أول المستهدفين.

بينما “حماس” ورغم استمرار تمسكها بالمقاومة، وبنائها قاعدة للمقاومة في غزة، وتحقيقها لإنجازات مهمّة على صعيد مواجهة الاحتلال، فإنها تواجه اليوم أزمة مستحكمة بعد حروب طاحنة، وحصار خانق، ويراد فضّ الجماهير من حولها، وتيئيسهم من خيارها، ولا يمكن القول والحال كذلك، أن الحركة لا تتحمل قسطًا من المسؤولية إزاء هذه الحالة.

تُطرح اليوم مقاربات يائسة، وتفتقر إلى الوضوح والتماسك وتنطلق من قاعدة اليأس، جراء الحالة الراهنة، لكن الحلّ هو في استعادة روح الكرامة وروح الشيخ أحمد ياسين، في استعادة الوعي الدقيق بطبيعة قضيتنا وخصائصها، واستعادة معاني المبادرة والثبات والصمود، وتصحيح الأخطاء التي زيفت وعي الجماهير أو أرهقتها وبدّدتها.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات