السبت 20/أبريل/2024

نزار رمضان لـالمركز: مرج الزهور محطات مهمّة في تاريخ حماس

نزار رمضان لـالمركز: مرج الزهور محطات مهمّة في تاريخ حماس

النائب الدكتور نزار رمضان كان أحد الذين أُبعدوا إلى مرج الزهور عام 1992م، كان إعلاميًّا وصحافيًّا يعمل مراسلاً لوكالة “قدس برس” و”المركز الفلسطيني للإعلام” و”مجلة فلسطين المسلمة”، وكان في تلك الفترة طالبًا في كلية الشريعة بجامعة الخليل ورئيسًا سابقًا للكتلة الإسلامية فيها، واختير عضوًا في اللجنة الإعلامية لمخيم المبعدين، وأعد مذكرات مهمة عن الإبعاد نشرتها دار الرشاد الإسلامية في بيروت عام 1993م في كتاب قدم له الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بعنوان: “على مشارف الوطن.. المبعدون الفلسطينيون في مرج الزهور”، التقاه مراسلنا وجرى الحوار الآتي حول رحلة الإبعاد وحيثياتها ووقائعها وذكرياتها.

وإلى نص الحوار:
كيف بدأت رحلة الإبعاد.. وكيف كانت اللحظات الأولى ووقعها؟


النائب نزار رمضان


= كانت الساعة تشير إلى السادسة والأربعين دقيقة، بينما كنت أصلي إمامًا لصلاة العشاء في العشرات من المعتقلين داخل (الخشابية) في سجن الخليل المركزي؛ حيث دخل جندي صهيوني غادر إلى داخل الخشابية وبدأ يدفع بالمصلين الخاشعين في صلاتهم، وهو يشتمهم حتى انتهى به الأمر إلى قذفهم بصناديق من الكرتون مملوءة بالقاذورات والنفايات، ما أفسد علينا صلاتنا.. فقطعنا الصلاة دون إتمامها.. وبدأ الجندي يقرأ قائمة من الأسماء مكتوبة على ورقة، وأمر كل من سمع اسمه أن يجهز نفسه للنقل، ففرحنا كثيرًا لأننا سنخرج من الخشابية إلى سجن آخر؛ حيث إن مرحلة الاعتقال داخل الخشابية سيئة للغاية؛ فالمياه تتسرب إليها من كل جانب، والهواء يعصف بكل من في داخلها.. فلا أبواب مغلقه ولا نوافذ، هذا بالإضافة إلى الروائح الكريهة.. فالأسرى يقضون حاجتهم في إحدى زواياها”!.

كل من قرأ الجندي اسمه فرح، ومن لم يقرأ اسمه حزن وبقي داخل خشابية السجن، وما كان يعلم هؤلاء أن من قرأ الجندي أسماءهم سيبعدون إلى الجنوب اللبناني، ومن لم تُقرأ أسماؤهم سيفرج عنهم ويعودون إلى بيوتهم.

وما هي إلا لحظات حتى وصلت إلى ساحة الخليل (المقاطعة) العديد من الباصات الكبيرة والحديثة، عندها دخل مجموعة من الجنود داخل الخشابيه، وكبّلونا بكلبشات بلاستيكية حادة في أيدينا وأرجلنا ومن ثم غمّضوا أعيننا، وأصعدونا إلى الباصات.. عندما وصلني الدور وقيدني الجندي قال لي بالعربية: “معك اثنين دينار!! يله على يردين (أي الأردن)”.. لم أُعر هذا الكلام أي اهتمام، وصعدت إلى الباص.. وكان في المقعد المجاور لي المرحوم الدكتور عدنان مسودي والأستاذ كمال بهية التميمي.. كنت أظن أننا متوجهون إلى معتقل النقب الصحراوي.. وبعد ثلاث ساعات نصل.. لكن الرحلة طالت وطالت واستمرت 36 ساعة !! ونحن نتأوه ونتألم من التعب والكلبشات البلاستيكية التي حفرت في أيدينا وأدمتها، إضافة إلى خلع أكتافنا؛ حيث كانت مكبلة إلى الخلف، وكان سائق الحافلة كلما رفع صوت المذياع الذي يبث بالعبرية صرخ عليه الضابط المرافق لنا في الرحلة لإخفاض الصوت حتى لا نسمع ماذا يبث، وما هي إلا لحظات حتى صرخ أحد المبعدين، وهو عزام الشويكي من الخليل، وقال: “يا إخوان، احنا مبعدين إلى لبنان”!، فهجم عليه الجنود وهم يصرخون: “شكت شكت” بالعبرية.. أي اسكت، فنزل كلامه علينا كالصاعقة، إذن نحن لسنا ذاهبين إلى معتقل النقب.. عندها ذهب تفكيرنا إلى الوطن والأهل والأبناء الذين تركناهم خلفنا، وبدأنا نعيش حالة من ألم الفراق الذي سيطول عن الوطن، والذي ربما لن نعود إليه بتاتًا”.!

كيف تأكدتم فعلاً أنكم مبعدون إلى لبنان؟
= عندما سمعت صراخ المبعد عزام الشويكي وكانت الباصات تنتظر قرار المحكمة الصهيونية العليا وقد توقفت لساعات في منطقة المطلة بالجنوب اللبناني، فكرت أن أطلب من الجندي النزول من الباص لقضاء حاجتي، وعندها أنظر من تحت عصبة العين إن كانت الأرض رملية أم جبلية حتى أقرر نحن في النقب أم لبنان، فصرخت على الجندي: “أريد قضاء حاجتي”، في البداية رفض، وبعد إلحاح أنزلني من الباص وأنا مغمض العينين ومكبل.. عندها فك قيود يدي فأزحت عصبة العينين دون أن يراني فإذا أنا أمام أحراش ملتفة وأقف على أرضية جبلية، عندها تأكدت فعلا أننا في الجنوب اللبناني.

هل كنتم تعلمون أن عملية الابعاد شاملة لكل نشطاء حماس في فلسطين؟
= بعد صدور قرار المحكمة “الإسرائيلية” العليا بالمصادقة على قرار الإبعاد تحركت الباصات من منطقة المطلة ودخلت الأراضي اللبنانية.. في تلك اللحظات استيقظت على صوت الجندي، وهو يصرخ ويسحبني من المقعد داخل الباص وأنزلني من الباب الخلفي ونزع عصابة العين وفك قيودي، فنظرت أمامي فإذا بعشرات الجنود وقد أحاطوا المكان واصطفوا على الجانبين وهم يحملون العصي ومتأهبون، وقادني الجندي من كتفي نحو شاحنة كبيرة؛ حيث كانت الساعة قرابة الثالثة صباحًا، وكان بداخلها العشرات من الأسرى حتى وصلت إليها وقال لي: اصعد.. فمد الشيخ حاتم قفيشة من الخليل يده وسحبني، وأصبحت في سيارة الشحن، ونظرت حولي فإذا بخيرة علماء وشباب فلسطين داخلها.. ونظرت إلى أمام الشاحنة فكانت هناك خمس شاحنات أخرى مملوءة بالمشايخ والعلماء.. عندها أدركت أن عملية إبعاد جماعية تجرى لأبناء شعبنا الفلسطيني.

هل سلمتم لعملية الإبعاد؟، وكيف رتبتم أنفسكم؟.. ومن كان يسوس الأمور؟
= في البداية تحركت الشاحنات بنا وكان يقودها جنود من قوات لحد وفي أكتافهم بنادق رشاشة.. تحركت من نقطة عسكرية تسمى معبر زمريا نحو طريق ضيق وقديم إلى الأراضي اللبنانية، وقد بدأ المطر والرذاذ يتساقط فوق رؤوسنا.. استمرت الشاحنات في سيرها حتى وصلت إلى حاجز لجيش لبنان العربي على مشارف قرية سنية اسمها “مرج الزهور”.. اعترض الجيش اللبناني الشاحنات، وأمرها بالتوقف.. نزل الدكتور عبد العزيز الرنتيسي من الشاحنة والدكتور محمود الزهار، فقال لهم ضباط الحاجز اللبناني: “لدينا أوامر من الحكومة اللبنانية بعدم السماح لكم بدخول لبنان حتى لا نشرع لـ”إسرائيل” عمليات الإبعاد”، فرد عليه الأخوان الزهار والرنتيسي: “نحن نشكر موقفكم ولا نريد الدخول، ونطالبكم بالثبات على موقفكم، لأننا نريد أن نعود لوطننا ونرفض الإبعاد، عندها عادت الشاحنات من حيث أتت، وعندما وصلنا إلى معبر زمريا وتوقفت الشاحنات، أمرنا جيش الاحتلال بالنزول منها وفرض علينا بالقوة أن نصطف صفًّا واحدًا وأن نعود إلى الأراضي اللبنانية فرفضنا، وقال لهم الدكتور محمود الزهار: “هذه عملية إبعاد نرفضها، ولن نتحرك!! عندها بدأ الجيش الإسرائيلي باطلاق النار من الرشاشات الأوتوماتيكية فوق رؤوسنا، وأمرنا بالسير نحو الأراضي اللبنانية بالقوة!! فتحركنا مشيا على الأقدام ونحن لا نعرف بعضنا وعددنا حتى وصلنا إلى حقل من الزيتون وكان الفجر قد بزغ.. فتوقفنا ووقف الإخوة وقد أمروا الجموع بالتوقف في صفوف لإجراء عملية عدد للمبعدين وكانوا قد شكلوا لجنة قياده سريعة مكونة من: الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والدكتور محمود الزهار، والدكتور عزام سلهب، والشيخ حسن يوسف، والشيخ ماهر اعبيد والشيخ جمال منصور.

ووقف الشيخ جمال منصور بإجراء عدد للمبعدين فكان عددنا 415 مبعدًا، وبعدها توجهنا نحو الأراضي اللبنانية، وعسكرنا في منتصف الطريق ما بين معبر زمريا وقرية مرج الزهور.

كيف بدأت حياتكم بين الصخور وفي أجواء البرد القارس؟
كان وصولنا يوم الجمعة وهي الجمعة الأولى لنا وقد استقبلتنا جموع كبيرة من رجال الإعلام والصحافة والصليب الأحمر ومؤسسات حقوق الإنسان.. وقد بدأت بعض اللجان الطبية بعلاج المرضى والجرحى والمصابين.. خطبنا الدكتور عبد العزيز الرنتيسي في أول خطبه، وحضّنا على الثبات، وأكد اننا لن نسلم للإبعاد، ولن ندخل الأراضي اللبنانية، وسنبقى بين الصخور حتى نعود إلى وطننا.

بدأت عمليات الإغاثة وتقديم الطعام الخفيف وبعض الخيام والفرشات الاسفنجية، وكان أول الداعمين لنا الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه وليد جمبلاط، وبعدها قدّم الصليب الأحمر مجموعة من الخيام وكذلك حزب الله وبعض الفصائل الفلسطينية، ولم تكن الخيام في الليلة الأولى قد اكتملت للجميع، ووجد المبعدون صعوبة في بناء الخيام حيث الوحل والطين والبرد والرياح والأمطار.. فنام الكثير من المبعدين في تلك الليلة على قطع من النايلون، وبعضهم على الوحل، فكانت حياتهم أشبه بحياة الإنسان الأول.

ماذا عن الإدارة والتنظيم واللجان، وكيف اختيرت؟
= كانت أول لجنة تأسست هي اللجنة الهندسية، وقد تكونت من 16 مهندسا أشرفت على تأسيس المخيم واختيار موقع الخيام، ومن ثم اللجنة الطبية التي تكونت من 11 طبيبا حيث افتتحت خيمة عيادة وبدأت تستقبل حالات المرض المتكررة جراء البرد والصقيع، وقد زودها الصليب الأحمر ببعض الأدوية، وبعدها شكلت اللجنة الإعلامية، وكانت من أهم اللجان حيث تواجه الصحافة كل يوم بالتصريحات ومواقف المبعدين وخططهم المستقبلية وأخبار فعالياتهم، وكانت هذه اللجنة مكونة من: الشيخ جمال منصور والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والدكتور عزيز الدويك والإعلامي نزار رمضان والإعلامي حيدر العبوشي والدكتور عاطف عدوان والشيخ جمال سليم والأستاذ حسني البوريني، وكان أول قرار للجنة اتخاذ ناطق رسمي للمبعدين؛ حيث انتخب الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ناطقا رسميا، وقررت فيما بعد قيادة المخيم أن يكون الدكتور عزيز الدويك ناطقا بالانجليزية للوكالات الأجنبية.

أما على الصعيد التنظيمي فقد جرى اختيار مجلس شورى عام مكون من 25 عضوا ممثلين للمناطق كافة في الأسابيع الأولى للإبعاد، واختير الأستاذ عبد الفتاح دخان (أبو أسامة) أميرا عاما لحماس في المخيم، والدكتور عدنان مسودي نائبا للأمير العام، والشيخ حسن يوسف أمينا للسر، واستمر هذا المجلس لفترة قليلة حيث جرى بعدها انتخابات عامه في المخيم وانتخاب مجلس شورى عام من 17 عضوا واستمر المخيم تحت قيادة عبد الفتاح دخان، وبعد أربعة أشهر أخرى جرت انتخابات ثانية، وانتخب مجلس شوري آخر من 17 عضوا ترأّسه الأستاذ محمد حسن شمعة (أبو حسن)، واستمر هذا المجلس حتى العودة.

تشكلت في المخيم عدة لجان حيوية إضافة إلى اللجان السابقة، مثل لجنة التموين ولجنة الطوارئ والثقافية والاجتماعية والأوقاف والفنية والسياسية، أشرفت جميعها على إدارة الحياة العامة.

كيف كانت تتخذ القرارات السياسية وخاصة تلك المتعلقة بمستقبل المبعدين؟
= كانت هناك اجتماعات دورية لمجلس الشورى حيث يجرى مناقشة كل الأطروحات السياسية المتعلقة بالعودة، وكانت تؤخذ القرارات بالتصويت والأغلبية، وفي القضايا المصيرية مثل صفقة العودة المجزَّأة، كانت الأمور تعرض على القاعدة حيث يُستأنس برأيها، أما العلاقات السياسية مع دول الجوار والتصريحات السياسية المهمّة فكانت تتم بالشورى الملزمة، وكان الناطق باسم المبعدين يرجع في تصريحاته إلى مجلس الشورى الذي كان يزوده بآخر المستجدات على ساحة المبعدين.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات