الثلاثاء 13/مايو/2025

الآثار في قطاع غزة.. الشاهد الأول على جذور التاريخ

الآثار في قطاع غزة.. الشاهد الأول على جذور التاريخ

في قطاع غزة، تتشابك الحياة ما بين الماضي والحاضر ليشكلا لوحة ترسم “جذور” تاريخ” بقي شاهدا على هوية الإنسان والأرض.

معالم اندثرت وأخرى شكلت معلما يرتاده كل من زار القطاع أو عاش فيه، ليلتقط صورة تذكارية يحكي قصتها لأجيال قادمة.

في هذه الجولة، يصحبكم قسم الدراسات في “المركز الفلسطيني للإعلام”، للتعرف على أبرز المعالم التاريخية في قطاع غزة:

جامع كاتب الولاية
يعد جامع الولاية من المساجد الأثرية الهامة في مدينة غزة، ويقع في حي الزيتون بالبلدة القديمة، وتقدر مساحته بنحو 377 متراً مربعاً، ويرجع تاريخ بنائه إلى حكم (الناصر محمد بن قلاوون) في ولايته الثالثة سنة (709هـ – 741هـ/1341- 1309م)، ويدلل على ذلك اللوحة التأسيسية الموجودة أسفل المئذنة ابتغاءً لوجه الله تعالى في مستهل شهر ذي الحجة (725هـ – 1325م) زمن السلطان (محمد بن قلاوون).

دمر الجامع بعد ذلك فأمر بإنشائه وتجديده الوالي العثماني (أحمد بك) كاتب الولاية زمن السلطان (مراد سليم الثاني) وذلك (995هـ/1587م)، كما هو منقوش على بابه، لذا سمي بجامع (كاتب الولاية)، وبعد الحرب العالمية الأولى زيد في ارتفاع مئذنته، وتجددت قصارته.

ويتكون الجامع من مصلى رئيس به عمودان رخاميان يعلوهما تيجان بزخارف كورنثية، يحملان ستة عقود متقاطعة تكون رواقين، والمنبر يحتوي على بقايا أحجار مزخرفة بنيت فوق باب الروضة التي أزيلت معظم نقوشها، أما المئذنة فهي قائمة على قاعدة مربعة الشكل يعلوها بدن مثمن يتخلله شبابيك مستطيلة، وفي الوسط يوجد فتحات دائرية صغيرة في بعض أضلاعه أما أعلى البدن فهناك فتحات مستطيلة يليها مشرفة معروشة للمؤذن مستندة على دعائم حجرية، تسمى بـ(الجوسق).

وما يميز الجامع تجاوره مع كنيسة الروم الأرثوذكس – كنيسة القديس بيرفيريوس، وتلاقي المئذنة مع الصليب في مكان واحد، مما يدل على التسامح الديني الذي تمتع به المسيحيون في فلسطين على مر العصور ومازال تحت يومنا.

المسجد العمري في جباليا
أقدم المساجد التاريخية التي تقع في قلب بلدة جباليا القديمة، ويطلق عليه سكانها اسم (المسجد الكبير)، لأنه من أكبر مساجدها القديمة، ولا توجد لوحة تأسيسية للبناء لكن الطراز المعماري للمئذنة يؤكد العمارة المملوكية، ويؤكد ذلك وجود الزهرة ذات البتلات أي (زهرة السوسن)، وهي شعار اتخذته أسرة آل قلاوون ولم يتبق من بنائه القديم إلا الإيوان والمئذنة.

أما الإيوان فهو يقع في الجهة الشرقية من المسجد، ويمتد على طول مسافة الجدار الشرقي من شماله إلى جنوبه، ويتألف من ثلاث بوائك ذات عقود موازية لجدار القبلة، وهي مسقوفة بأقبية متقاطعة محمولة على أربع دعامات حجرية.

والمئذنة يمكن رؤيتها في الجهة الجنوبية الغربية منه، وهي مثمنة الشكل، تزينها نوافذ مستطيلة بعضها داخل عقود نصف دائرية، وتزينها نجمات ذات بتلات جميلة الشكل ومحفورة بالحجر الرملي الصلب.
أما البدن العلوي للمئذنة فيتخلله مجموعة من شبابيك مستطيلة يتوسطها فتحات مستديرة للإضاءة والتهوية، ويعلوها زخارف من المقرنصات جميلة الشكل.

وبالقرب من المسجد ضريح للشيخ (محمد المشيش)، الذي تعود أصوله إلى بلاد المغرب ويعتقد أنه قدم لفلسطين خلال القرن العاشر الهجري من بلاد المغرب، ثم تفرعت منه العديد من الأسر في فلسطين وبقية بلاد الشام.

مسجد السيد هاشم
يعد مسجد السيد هاشم أحد المساجد التاريخية في مدينة غزة حيث يقع في حى الدرج، وتبلغ مساحته حوالي 2400 متر مربع، وسمي بذلك الاسم نسبة إلى (هاشم بن عبد مناف) جد الرسول صل الله عليه وسلم الذي يقال : إنه مدفون عند الزاوية الشمالية الغربية للمسجد، ثم بدأ أهل غزة بدفن موتاهم في المنطقة المجاورة تبركاً بجد الرسول صل الله عليه وسلم في العصر الإسلامي.

والمسجد الحالي بني في العصر العثماني على الطراز المملوكي، وهو يضم باحة مركزية مكشوفة مربعة الشكل محاطة بثلاثة أروقة خارجية للصلاة.

أما القاعة الرئيسة للمسجد فهي شبه مربعة مسقوفة بعقود متقاطعة، وبها محراب يتجه نحو القبلة ومنبر جدد في سنة (1266هـ/1850م) برعاية السلطان العثماني (عبد المجيد) بناء على طلب (أحمد بن محي الدين الحسيني) مفتي الأحناف بغزة.

وقد بني مسجد السيد هاشم من حجارة قديمة تعود لمباني قديمة مندثرة ، منها مسجد الجاولي وموقع البلاخية، إضافة إلى أبنية أخرى في غزة وعسقلان.

وفي سنة (1320هــ/1903م) أعيد ترميم القاعة الرئيسة، بعد تعرضها لتصدعات وشقوق خطرة هددت المسجد بالانهيار، وقد أضيفت الأروقة الشمالية والغربية لها، وكان المسجد في السابق يضم مكتبة كبيرة ومدرسة لتعليم علوم الدين، ولكن هدمت أجزاء كبيرة منه خلال الحرب العالمية الأولى سنة (1918 – 1914م) وأعاد المجلس الإسلامي الأعلى تجديدها سنة (1344هــ/1926م).

دير القديس هيلاريون
يعد موقع دير القديس هيلاريون أول الأديرة الأثرية في فلسطين وأهمها، ويقع على تلة مرتفعة من الرمال، على بعد 15كم جنوب غرب غزة، وعلى بعد 3كم غرب مدينة النصيرات فيما يبعد عن ساحل البحر 500م تقريباً ويرتفع بنحو 22م.

واستناداً إلى حالة الموقع المتطابق مع التعريف بدير القديس هيلاريون المشهور في النصوص القديمة، فقد أظهرت التنقيبات الأثرية وجود أكبر الأديرة التي لم يعثر على مثلها في فلسطين من حيث المساحة والتصميم.

والقديس هيلاريون ولد في قرية تسمى (طباثا) وتبعد نحو 7كم عن غزة، ويعتقد أن موقع هذه القرية هو موقع (خربة أم التوت) جنوب مصب وادي غزة، ورغب هيلاريون في التوجه نحو الإسكندرية وفي طريقه التقى بالقديس (أنطوني) المؤسس الحقيقي للرهبنة في صحراء مصر، فتتلمذ على يديه مما أدى إلى تغير كامل في حياته، فعاد إلى موطنه الأصلي، ووضع صومعته للتنسك في موقع (خربة أم عامر) سنة (329م)، في ذلك المكان المنعزل فوق تل مرتفع يشرف على الطريق بين مصر وفلسطين، وخلال ثلاثين عاماً زادت شعبية هيلاريون، فأصبح يحيط به (400) شماس – وهي رتبة في الكنيسة وهم الذين بدءوا بتنظيم بعض العمائر الخفيفة حول الكنيسة.

وفي سنة 362م، وصل الإمبراطور (جوليان) المرتد إلى العرش الروماني الذي حكم بلاد الشام بما فيها فلسطين، فقام بتدمير الدير وإجبار هيلاريون على الهرب إلى قبرص، حيث توفي هناك سنة (371م)، وقد قام ظاحد تلاميذه بنقل جثمانه إلى غزة ودفنه في المكان نفسه الذي أقام فيه صومعته الأولى بـ (خربة أم عامر) في النصيرات.

ويتكون الدير من مجموعات معمارية عديدة، محاطة بسور خارجي من الحجر المهندم المسنود بدعامات حجرية، بمساحة قدرها (137م×75م)، إضافة إلى احتوائه على مجموعة من القاعات والغرف والممرات بلغ عددها (245) غرفة، تعود أدوار بنائها إلى مراحل زمنية عدة، بدأت من منتصف القرن الرابع الميلادي حتى القرن الثامن الميلادي.

أما الجزء المعماري الأول فيشمل المنطقة الخدماتية الواقعة في الجزء الجنوبي والغربي، وهي عبارة عن غرف خاصة برجال الدين المقيمين في الدير،ويغطي أرضية بعض تلك الغرف فسيفساء جميلة أعطت دلالة على أهمية صاحب كل غرفة من تلك الغرف كونه ذا مكانة وقدسية خاصة بالدير، ويفصل تلك الغرف عن الجزء المعماري الثاني شارع طويل به درج، خاص بدخول وخروج الرهبان للكنيسة.

أما الجزء المعماري الثاني فهو يمثل الكنيسة وقد خطط نظامها المعماري على الطراز البازيلكي المكون من ثلاثة أروقة أوسعها الرواق الأوسط، ويفصل بين كل رواق ورواق مجموعة من الأعمدة الرخامية كورنثية الطراز.

أما الجزء المعماري الثالث فيسمى بـ(الديماس)، ويمكن الوصول إليه من خلال درج اندثرت معظم درجاته، وهو يؤدي إلى مبنى تحت الأرض على شكل صليب، تظهر فيه الأعمدة الرخامية المكونة للدير، والتي تهاوت من البناء الأعلى نتيجة الهزات الأرضية وعوامل الزمن.

كما يظهر في المكان بقايا للتابوت الرخامي الخاص بالقديس هيلاريون وهو روماني الطراز، والجزء المعماري الرابع هو عبارة عن حوض التعميد والصالات المؤدية له، ويغطيها أرضية إحداها فسيفساء تحمل منظر زهرية يخرج منها أغصان ملتفة تحمل عناقيد العنب والأوراق داخل هذه الأغصان صور لحيوانات وطيور تعبر عن البيئة الموجودة في ذلك الوقت.

والجزء المعماري الخامس وهو منطقة الحمامات وتبين الآثار الباقية منها تقسيمات الغرف الخاصة بالحمام، مثل غرفة الماء الساخن والبارد وغرف الانتظار كما يظهر أسفل تلك الغرف فتحات دخول الماء وتصريفه وبيت النار الذي يتم من خلاله تسخين المياه لاستخدامه في الحمامات، إضافة إلى وجود شبكة واسعة من قنوات المياه المصنوعة من الفخار والرصاص، وشبكة أخرى من قنوات صرف صحي تؤدي إلى خارج الدير.

إضافة إلى وجود بقايا قطع رخامية لمعصرة عليها، وآثار أخرى على وجود بئر مياه خاص بالدير، كما تم العثور داخل حدود الدير وخارجه على مجموعة من المقابر الفردية البيزنطية، معظمها وجدت داخل الفناء المكشوف، كذلك عثر على مجموعة كبيرة من لقى أثرية متنوعة وهي عبارة عن قطع كبيرة لجرار فخارية مختلفة الطراز وأجزاء لأطباق فخارية محلية الصنع ومستوردة وكمية غير قليلة من المصابيح الفخارية (أسرجة الإضاءة)، وعدد من القطع النقدية البرونزية تعود معظمها للأباطرة: أنستاسيوس، وجستنيان، وجستين، وطيباريوس، وهرقل، إضافة إلى بعض القطع النقدية الإسلامية التي تعود للقرنين الأول والثاني الهجري، إحداها فلس يعود للخليفة (عمر بن عبد العزيز).

سوق القيسارية
تعد القيساريات أحد أشكال المنشأت التجارية الحرفية الصناعية، التي عرفت في العهد الروماني وذلك خلال عهد القيصر الروماني (أغسطس قيصر)(63ق.م14-م) الذي توسعت في عهده تجارة الحرير الطبيعي الآتية من الصين، وكانت تلك المنشأت تخدم التجارة وتنمية الاقتصاد، وعرفت واستمر إنشائها في العصور الإسلامية المختلفة لتمارس دورها في التجارة والصناعة، وأحياناً لتكون دوراً ثانوية لسكن مؤقت لبعض العائلات الفقيرة، وعرفت في العديد من المدن الإسلامية القديمة كالقيروان بتونس، والفسطاط (القاهرة) في مصر، وقد أطلق اسمها على (الخان الصغير) الذي ي

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات