السبت 13/أبريل/2024

القضاء على العدل!!

د. محمود العجرمي

كنت قد نشرت العام الماضي على صفحتي بالفيس بوك “بوست ” بعنوان المقال، وكان “البوست” يعالج موضوعاً آخر تماماً حول فساد القضاة في جَنوب الصين، وقد اِعْتَقَدَ بعض “الظرفاء” أَنّي كنت أقصد جنوب فلسطين لتشابهٍ في الأحداث!

ولكني أتناول اليوم المستوى غير المسبوق لما آلت إليه السلطة القضائية من انحدار وفساد ورشى وتماهيها مع السلطة التنفيذية حتى أمْسَت آمال الفصل بين السلطات أضغاث أحلام، حتى أن “مُنتسيكو” الفرنسي صاحب مبدأ الفصل بين السلطات في القرن الثامن عشر قد تململ حزناً في قبره على ذلك.

وفي البدء قام الرئيس محمود عباس بإقالة الحكومة الشرعية العاشرة التي صادق عليها المجلس التشريعي وهي -الحكومة- أحد أذرع السلطة التنفيذية، تلاه وبمرسوم “إمبراطوري” أيضاً من الرئيس بتجميد أعمال المجلس التشريعي صاحب الولاية الشرعية القانونية الممتدة حتى انتخاب مجلس تشريعي جديد، مما أتاح هامِشاً بِسِعَةٍ غير مسبوقة للذراع الموازي الآخر للسلطة التنفيذية “الرئاسية” لِأخذ كل السلطات بيده بإصدار فرمانات “ما أنزل الله بها من سلطان”، ولأسباب شخصانية لا علاقة لها بالقانون من قريب أو بعيد فأضحت مناطق ما تُسمى “بالسلطة الفلسطينية” وكأنها إقطاعية وَرِثها عباس عن والده رضا، فأخذ بتشكيل مجموعات من “السكرتاريا” أسماها حكومات، وقد أطَاح بالقانون الأساسي الفلسطيني والتعديلات التي أُدخلت عليه في عامي 2003 – 2005 فلم يُصادق المجلس التشريعي على أيٍّ منها -فقط شلّة الرئيس- رغم إلزامية ذلك وفق “دستورنا الانتقالي”.. تلك التعديلات التي أوصلته لرئاسة الوزراء ومن ثم رئاسة السلطة والدولة، وبمخططاته التآمرية واستشهاد الرئيس عرفات تَمكَّن أيضاً من السيطرة على “حركة فتح”؟!

كما أن رئيس سلطة ما تبقى من “حركة فتح” أصبح رئيساً لمعظم الهيئات والمؤسسات الفلسطينية الجمعية دون أن تكون جُلّ الفصائل الكُبرى والحيّة والتي انتخبها الشعب مُمَثَّلةً فيها.

ويتابع الرئيس استفراده بحركة فتح؛ فيطرد المئات من قياداتها وكوادرها بعيداً عن نظامها الداخلي ومحكمتها الثورية، ويستمر في تفاوضه مع فريقه إلى جانب تعاونه الأمني مع الاحتلال العنصري النازي رغم رفض الكل الفلسطيني بما في ذلك قيادات وازنة من “حركة فتح”.

ولم يزل الرئيس عباس سادراً في غيِّهِ فيذهب للتعزية في جنازة شيمون بيريز الرئيس السابق لدولة المستوطنين في فلسطين المحتلة وسط استنكار وسخط شديدين من الحركات والفصائل والجمعيات وكل المؤسسات التي تُمثل الشعب الفلسطيني برمته.

كما ضرب بعرض الحائط السلطة القضائية حين دَفَعَ “محكمة العدل العليا” للتنطح بعيداً عن سلطاتها بديلاً لسلطات محاكم البداية في المحافظات التي جَمَّدت انتخابات المجالس المحلية ثم أَجَّلَتها، وهذه الخطوات سَتُعطِّلُ أيضاً إجراءات انعقاد الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني الفلسطيني.

وَيَذْكُرُ الجميع أن من ضرب إسفيناً لم يزل يَستمر فصولاً في وحدة الصف الفلسطيني كان أيضاً الرئيس عباس حين “هندس” كارثة “اتفاق عار أوسلو” دون علم من الجميع، والتي لم يزل يئنّ تحت وطأتها كل العمل الوطني بما أعطى زمناً ذهبياً لدولة الاحتلال للإمعان استيطاناً وتهويداً وقتلاً وتدنيساً للمسجد الأقصى والتحضير الجاد والمتسارع لِهَدْمِه وبِناء “الهيكل الثالث” المُدَّعى مكانه.

الرئيس عباس مُنشغلٌ مع فريقه بالتحضير للمؤتمر السابع لحركة فتح بعيداً عن الهم الوطني، معتبراً عودته لرئاسة “حركة فتح” مَسْألة حياة أو موت، وهو يَسْتَعدُّ اليوم لنفي أو طرد أو قتل واعتقال كل المعارضين أيًّا كان الثمن، وتقوم أجهزته الأمنية بترويع المواطنين تحت دعاوى مطاردة “المتآمرين على السلم الاجتماعي والاستقرار”، وكأن ذلك قائم، وقد حَوَّل حليفه جيش الاحتلال القدس والضفة الفلسطينية المحتلة إلى ساحات إعدام!

وتشير صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية في حُمّى هذا الصراع الدائر على “سلطة أوسلو”، وحول خليفة رئيسها الحالي محمود عباس، إلى أن الضفة الفلسطينية قد تشهد عديد التصفيات السياسية!!

وتشير الصحيفة العبرية، أن عباس قلق جداً من التطورات المتلاحقة من حوله في الضفة وعلى الساحتين العربية والدولية وخاصة انعقاد مؤتمر “العين السُخنة” في مصر حول “المشكلة الفلسطينية ووحدة حركة فتح” الذي نُظِّمَ من قبل “المركز القومي لشؤون الشرق الأوسط”، وَعِلْمِهِ بأن مُنافِسَهُ اللدود محمد دحلان والاستخبارات المصرية وراء هذا الحدث الجلل!!

واضح أن هذا الصراع لا زال في بداياته مع إعلان محافظ نابلس اللواء أكرم الرجوب عن اعتقال خلية في مدينة نابلس بتهمة التخطيط لاغتيال عدد من الشخصيات ومن قيادات “حركة فتح”، وأكد أن الملف أمني شائك ومعقَّد وكبير؟!

وأشار مصدر أمني مُطَّلِع إلى أن من بين القادة الذين هُدِّدوا بالاغتيال هم كل من عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير غسان الشكعة، والنائب في المجلس التشريعي عن “حركة فتح” جمال الطيراوي وأمين سر المجلس الثوري ” لفتح ” أمين مقبول.

يجرى كل ذلك وسط عمليات اعتقال طالت العشرات من أعضاء “فتح”، وبفبركة منهجية للتُّهم التي تُطلق جُزافاً، إلى جانب تشكيل لجان قضائية فاسدة ومُعَدّة جيداً لإطلاق أحكام تَسْمحُ بلجم كل صوت مُعارض لعباس وفريقه.

ولقد تداعت عديد المؤسسات الحقوقية مطالبةً بمؤتمر وطني لإصلاح المنظومة القضائية الفلسطينية بعد اكتشاف فضيحة إقالة الرئيس السابق “لمجلس القضاء الأعلى” في رام الله المستشار سامي صرصور الذي أكد أنه أُقيل ولم يَستقل كما أُشيع، وأن جِهات نافِذة في “السلطة وفتح” مارست ضُغوطاً عليه، وخَصَّ بالذكر عضو اللجنة المركزية توفيق الطيراوي، الذي استخدم ورقة استقالة كان قد وقعها صرصور عند تعيينه في هذا المنصب بدون تاريخ لاستعمالها وقت الحاجة، وقد أدى القسم القانوني بتاريخ 20 كانون ثان 2016 وهذا ما تم فعلاً، حَيثُ فُعِّلَ الكتاب لإزاحته من منصبه، وبما يُثبِت بالدليل القاطع تَدَخُّل “سُلطة حركة فتح” الفاضح في الجهاز القضائي!

ويشير رئيس “مجلس القضاء الأعلى” المُقال إلى تَغَوُّل المتنفذين في ” فتح ” وسلطتها في مقاطعة رام الله المحتلة على القضاء في الوقت الذي أعربت فيه المؤسسات الحقوقية في بيان مُشترك في رام الله عن صدمتها لما تُمارِسهُ سلطة عباس من إجراءات تنطوي على مخالفة واضحة للدستور والأصول القانونية ورفضها المُطلق لكافة أشكال التدخل في القضاء من أي طرف كان!

وبصدد عملية الإقالة المذكورة، أشارت تلك المؤسسات الحقوقية إلى أن ذلك الإجراء يُؤَشِّرُ على وجود نِيّة مُبَيَّتة لتدخل خطير من قبل أطراف في السلطة التنفيذية واعتبرته تقويضاً لاستقلال القضاء، وموافقة مُسبقة على التدخل بشؤونه، وطالبت بمحاسبة الذين فرضوا الإقالة وَدَعَت إلى ضرورة استبعاد كل من يَثْبُت دوره في المساس باستقلالية ومهنية القضاء من داخل القضاء نفسه أو من السلطة التنفيذية كذلك، وهو قضاء تقوم سلطة “حركة فتح” بإنهاء دوره وكل ما يتصل به مع المسار الديمقراطي!

في هذه الأجواء وبهذه الأدوات يُدير عباس “سلطة الفشل” في “رام الله” المحتلة التي تُخفق في تحقيق إنجاز وطني واحد منذ عام 1993، وَتَغْرَق في تعاونٍ استخباري مع الاحتلال ضد حقوق الشعب الفلسطيني وثوابته الوطنية.

وَأَخْتمُ، بِذكْر واقعة يُسجلها التاريخ جَرَت إبان احتدام الحرب العالمية الثانية، حين كانت طائرات سلاح الجو النازي تقصف لندن وهي تَميدُ تحت نيرانها المتلاحقة، وقد جاء جَمْع من النخبة البريطانية وعلى رأسهم وزير العدل يسألون رئيس الوزراء ونستون تشيرشل عن تقديره للموقف، فأجاب بسؤال وَجّهَهُ لهم: “كيف هو جهاز القضاء في البلاد؟ فأجابوه بصوت واحد: “إنه على ما يرام، شفاف وذو مصداقية ينشر العدل والمساواة بين الجميع”، وهنا وقف تشيرشل وقال: “سننتصر ونستعيد بريطانيا ونُعيد بناءها أقوى مما كانت”، وهذا ما تم فعلاً، فهناكَ فارِقٌ هائلٌ بين وطنٍ يَعُمُّهُ العدل وسلطة مهمتها القضاء عليه!!

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات