الثلاثاء 25/يونيو/2024

آفاق المبادرة الفرنسية

آفاق المبادرة الفرنسية

أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات الاستراتيجية تقديراً استراتيجيا يناقش آفاق وفرص المبادرة الفرنسية لعملية السلام.

ويخلص التقدير إلى أن “المبادرة الفرنسية” لا تمتلك فرصة أفضل للنجاح من المبادرات والجهود السابقة، بل إن حظها أقل من سابقاتها، بحكم  أن فرنسا وأوروبا لا تمتلك القدرة الكافية للضغط على “إسرائيل” حتى لو توفرت لديها الإرادة لفعل ذلك، ولأن الولايات المتحدة الأمريكية غير متحمسة للمبادرة الفرنسية، وكل همها هو تفريغها من مضمونها والاحتفاظ بزمام المبادرة في يدها، كما أن المبادرة انطلقت من سقف منخفض هو أقل بكثير من الشرعية الدولية، بل حتى لا تولد ميتة أخذت تبحث عن مرجعية تتضمن ما يمكن الاتفاق عليه، كما أن الحد الأقصى الذي تستطيع تحقيقه إذا حققت شيئا أصلاً، هو استئناف المفاوضات الثنائية برعاية دولية شكلية، وما يعنيه ذلك من منع تبني خيارات أخرى وإضاعة المزيد من الوقت الثمين، الذي تستغله “إسرائيل” لاستكمال إيجاد أمر واقع احتلالي يجعل الحل الإسرائيلي بإحدى صيغه هو الحل الوحيد المطروح والممكن عملياً.

تأسيساً على ذلك، فمن الخطأ منح المبادرة الفرنسية تأييداً على بياض، بل الموقف منها يجب أن ينطلق من مدى التزامها بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

 مقدمة:
ظهرت ما تعرف بـ”المبادرة الفرنسية” في سنة 2014 عندما طرحت فرنسا مشروع قرار في مجلس الأمن يتضمن المبادئ والأسس والمعايير التي من المفترض أن تحكم مسيرة السلام لضمان نجاحها، ولكن مشروع القرار هذا عارضته أمريكا و”إسرائيل”، وتحفظت عليه ألمانيا وبريطانيا، ولم تستطع القيادة الفلسطينية أن تقبله لتضمنه بعض النقاط التي تمسّ بالحقوق الوطنية الفلسطينية، مثل قبول “إسرائيل” كـ”دولة يهودية”، على الرغم من تضمنه بعض النقاط الإيجابية، مثل تحديد جدول للمفاوضات وآخر لتنفيذ ما يتفق عليه، وتشكيل مجموعة دولية لتواكب المفاوضات وتساعد على إنجاحها، لأن المفاوضات الثنائية من دون تدخل دولي لم تؤدِّ إلى اتفاق.

وجددت فرنسا تحركها السياسي في بداية هذه السنة بصورة مختلفة عن تحركها السابق، إذ تضمنت:

أولاً: ضرورة إيجاد المجموعة الدولية لتقوم بالاتفاق على مرجعية المفاوضات، من خلال عقد اجتماع دولي دون مشاركة “إسرائيل” وفلسطين، وقد تمّ عقده فعلاً في الثالث من حزيران/ يونيو الماضي.

ثانياً: عقد مؤتمر دولي يسبقه تشكيل فرق عمل حول الأمن والتعاون الإقليمي والاقتصادي ومقومات الدولة.

وكان من المفترض أن تنتهي المرحلتين قبل نهاية صيف سنة 2016، ثم تأجّل عقد المؤتمر الدولي إلى ما قبل نهاية السنة الجارية، مع أن عقدة ما يزال مجرد احتمال.

إن قصر الإليزيه حاول وسيبقى يحاول استرضاء حكومة نتنياهو والحصول على رضا واشنطن، وهو ما أدى إلى إجراء تعديلات على الأفكار الفرنسية، فبعد التراجع عن عرض مشروع قرار في مجلس الأمن أولاً، تُركت مسألة تحديد المرجعية للاجتماع الدولي، لتتضمن ما يمكن الاتفاق عليه، وأن تكون الصياغة عامة، وهذا يعني أن المرجعية ليست القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، بل يدور البحث حول إيجاد مرجعية متفق عليها، أي أدنى مما تتضمنه الشرعية الدولية. كما تبخر سريعاً الوعد الفرنسي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية إذ فشلت الجهود الفرنسية بعد الاعتراض الإسرائيلي عليه.

وطالب رئيس الحكومة الفرنسية الدول العربية الاعتراف بـ”إسرائيل” أولاً لتشجيعها على قبول “المبادرة العربية”، التي تربط ما بين الاعتراف والتطبيع العربي بموافقة “إسرائيل” على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة سنة 1967. واعتذرت فرنسا عن تصويتها في اليونسكو حول المسجد الأقصى، وتعهدت بالتراجع عن هذا الموقف في أيّ تصويت جديد. وقللت، وهذا هو الأهم، من أهمية دور مجموعة الاتصال الدولية، إذ أصبح جوهر دورها ودور المؤتمر الدولي المزمع عقده، كما جاء في خطاب الرئيس الفرنسي في افتتاح اجتماع باريس، تشجيع “إسرائيل” وفلسطين على استئناف المفاوضات الثنائية.

كما نصحت فرنسا القيادةَ الفلسطينية -التي قبلت النصيحة- بتجميد تحركها بخصوص عرض مشروع قرار على مجلس الأمن بخصوص الاستيطان، لكون مثل هذا القرار يعرقل الجهود الفرنسية! مع أنه من المفترض أن يساعدها على النجاح. وتميّز الموقف الفرنسي بالحدة من حملة مقاطعة “إسرائيل”، إذ رأتها معادية للإنسانية والسامية.

أولاً: اجتماع باريس مخيب للآمال:
لقد جاءت نتائج اجتماع باريس مخيبة للآمال، لدرجة أن معظم القيادات الفلسطينية أعربت عن صدمتها من اختطاف الاجتماع من قبل وزير الخارجية الأمريكي، الذي حاول فرض صيغة سيئة جداً جوهرها: الشروع في التطبيع العربي الاقتصادي والأمني مع “إسرائيل” وبناء مقومات الدولة، مقابل تمديد المرحلة الانتقالية، ما أفرغ الصيغة المطروحة للبيان الختامي من مضمونها.

ولم يتضمن البيان الكثير من القضايا، بل جاء عمومياً دون خطوات وأهداف حقيقية، وبلا خطة عمل ملموسة، ولا آليات تنفيذ وجداول زمنية، إضافة إلى أنه ساوى بين الطرفين.

ولا يكفي ما جاء في البيان من تكرار واجترار كما ظهر في التأكيد على حلّ عادل ودائم وشامل، وعن حلّ الدولتين وما يتعرض له من أخطار، وأن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، وعن إعادة بناء الثقة وإيجاد الشروط للإنهاء التام للاحتلال الذي بدأ سنة 1967، وحلّ قضايا الوضع النهائي عبر مفاوضات مباشرة على أساس القرارين 242 و338، وبناء على قرارات مجلس الأمن ذات الصِّلة، إضافة إلى إبراز أهمية تنفيذ مبادرة السلام العربية.

تُدرك جميع الأطراف، بما فيهم القيادة الفلسطينية، أن الوضع الراهن لا يحمل أيّ احتمال حقيقي للتوصل إلى حلّ متفق عليه للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وذلك لأن “إسرائيل” تحكمها حكومة متطرفة وعنصرية أعادت إحياء خطة إقامة “إسرائيل الكبرى”، وتعتقد أن المتغيرات العربية والإقليمية والدولية والوضع الفلسطيني الضعيف والمنقسم الذي يعاني من فقدان الخيارات يوفر لها فرصة تاريخية لتحقيقها، عبر الانتقال من سياسة إدارة الصراع ومنعه من التوصل إلى حلّ، إلى سياسة فرض الحل الإسرائيلي برضى أو من خلال الخطوات أحادية الجانب.

في هذا السياق، فإن أقصى ما تقدمه المبادرات، وخصوصاً الفرنسية، هو محاولة الحفاظ على الوضع الراهن، وعدم تدهوره إلى مواجهة شاملة فلسطينية – إسرائيلية، والإبقاء على ما يسمى “حلّ الدولتين” انتظاراً لتوفر ظروف أخرى لتحقيقه مستقبلاً. فالهدف إبقاء خيار الدولة الفلسطينية على قيد الحياة لوجود قناعة فرنسية وأوروبية ودولية بأن موت “حلّ الدولتين” بالرغم من تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية يهدد الأمن والاستقرار ويغذي الإرهاب ويشجع على تواصل موجات الهجرة.

ثانياً: مواقف الأطراف الرئيسية من المبادرة الفرنسية:

1. الموقف الفرنسي:
اختلف موقف فرنسا الحالي عن موقفها التقليدي الذي كان أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين، إذ أصبح متفهماً للموقف الإسرائيلي، ويحاول مراعاته باستمرار. وهذا يثير الشكوك حول مدى قدرة المبادرة الفرنسية على الاستمرار والنجاح، لأنه من دون ممارسة ضغوط جدية على “إسرائيل” لا يمكن نجاح أيّ مبادرة تسعى للتوصل إلى تسوية.

تريد فرنسا من تحركها تحقيق نجاح هي بحاجة له، وخصوصاً بعد فشلها المدوي في سورية، وهي تدرك أن سقف التوقعات منخفض في ظلّ أن الرئيس الفرنسي في آخر عام من عهده، إذ يكفي الدبلوماسية الفرنسية في الحد الأدنى أن تنجح في تحريك ملف القضية الفلسطينية المجمد والمتراجع جرّاء ما يحدث في المنطقة، وهذا قد يحسّن من فرص حزبه في الانتخابات القادمة، ويساهم في ملء الفراغ الناشئ عن فشل الجهود والمبادرات الرامية إلى التوصل إلى حلّ، ووصول المسيرة السياسية إلى مأزق شامل. هذا الفراغ يمكن أن تملأه أطراف أخرى إذا لم تستأنف المسيرة السياسية، خصوصاً في ظلّ ابتعاد وانشغال الإدارة الأمريكية ودخولها مرحلة البطة العرجاء عشية الانتخابات الرئاسية.

من الواضح أن قصر الإليزيه يعرف جيداً أن فرنسا لا يمكن أن تحل محل أمريكا، لذا ما تفعله أشبه باللعب في الوقت الضائع، ويتم بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية، فليس من المستبعد تأجيل عقد المؤتمر الدولي (إذا طلب البيت الأبيض ذلك) المحتمل عقده هذه السنة إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية، وتشكيل الإدارة الجديدة. وما يشجع فرنسا على مواصلة تحركها تأييد الاتحاد الأوروبي لمبادرتها بعد تردد طويل على الرغم من أن خروج بريطانيا منه سيلعب دوراً معاكساً.

2. الموقف الإسرائيلي:
ترفض الحكومة الإسرائيلية أيّ تحرك دولي يؤدي إلى مشاركة أطراف دولية في المفاوضات، لأنها تفضل الاستفراد بالفلسطينيين من خلال المفاوضات الثنائية المباشرة، حتى الرعاية الأمريكية للمفاوضات السابقة قبلتها الحكومات الإسرائيلية على مضض، وجعلتها دائماً ضمن الحد الأدنى، لذلك ترفض المبادرة الفرنسية، ولكنها تستخدم هذا الرفض لترويضها وجعلها تقترب من الشروط والمواقف الإسرائيلية.

كما يعزز من رفض حكومة نتنياهو للمبادرة الفرنسية تفضيلها لما تسميه “الحل الإقليمي”، خصوصاً بعد خطاب الرئيس المصري ودعوته لتحويل السلام البارد إلى سلام دافئ، ومدخل هذا الحل مفاوضات عربية إسرائيلية تكون القضية الفلسطينية مخرجاً ثانوياً نهائياً له، تغطي على تطبيع وإقامة علاقات عربية متنوعة مع “إسرائيل” انتعشت في السنوات الأخيرة على خلفية العداء المشترك لما يسمى “الخطر الإيراني الشيعي”، وتصاعد “الإٍرهاب السني”.

اضطرت “إسرائيل” سابقاً إلى إعطاء الأولوية لعقد اتفاق سلام مع الفلسطينيين، على أمل أن يفتح لها أبواب المنطقة العربية، بينما أصبحت في السنوات الأخيرة تراهن على الاتفاق مع العرب واستخدمه لفرض “التسوية” التي تريدها على الفلسطينيين، إذ أوضح نتنياهو موقفه تماماً من المبادرة العربية بعد الأنباء التي تحدثت عن موافقته عليها، مؤكداً بأن لا مفاوضات على أساسها إلا بعد تعديلها فيما يخص الانسحاب الإسرائيلي، وما تتضمنه من إشارة لحل قضية اللاجئين، فهو لا يكتفي بالتنازل العربي الوارد فيها بالحديث عن حلّ متفق عليه لقضية اللاجئين وفقاً للقرار 194.

بالرغم مما تقدم، لم تتوقف “إسرائيل” عن محاولاتها المنفردة، أو مستعينة بالإدارة الأمريكية، لترويض المبادرة الفرنسية لتصبح ملائمة للشروط والإملاءات الإسرائيلية، وإذا استطاعت “إسرائيل” في ظلّ غيابها عن اجتماع باريس أن تكون حاضرة كما يتضح من البيان الختامي الذي تعرضنا له، فما الذي سينتج عن مؤتمر دولي، تشارك فيه “إسرائيل”، ولن يُعقد إذا لم توافق على المشاركة فيه؟!!

 3. الموقف الفلسطيني:
رحبت القيادة الفلسطينية بالتحرك الفرنسي منذ البداية على الرغم من معرفتها بسقفه الهابط، لأنها راهنت على أنه يمكن أن يحافظ على الوضع الراهن إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، ويمكن أن يجنبها الدخول في اختبار عملي لما هددت به منذ فترة من اعتماد خيارات أخرى. لذا، منحت التحرك موافقة على بياض، وروّجت له عربياً وفي كل أصقاع الدنيا، إذ تعاملت معه مثل الغريق الذي يتعلق بقشة كل ما يهمه أن تكون القضية الفلسطينية حاضرة، وليس مهمًاً كيف، وما هي المخاطر المترتبة على عدم وجود المتطلبات الكفيلة بحماية القضية الفلسطينية وتجسيدها.

واستكمالاً لهذا الرهان، وافقت القيادة على عدم المشاركة في اجتماع باريس، وهذا أمر خطير، فكيف تُبحث القضية بغياب أصحابها بذريعة حضور بعض الأشقاء والأصدقاء العرب والأجانب؟!

لا يعقل أن يغيب أصحاب القضية الذين ناضلوا وضحوا طويلاً ليكون العامل الفلسطيني حاضراً في ظلّ أن الأوضاع العربية سيئة جداً، ولا ينفع وضع القضية الفلسطينية في يد العرب أو بعضهم وهم في أسوأ حال.

بالرغم من خيبة أمل القيادة من نتائج اجتماع باريس إلا أنها بلعت الاعتراضات التي وردت على لسان معظم أفرادها، وجددت دعمها للمبادرة الفرنسية لكونها “اللعبة الوحيدة في ا

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات