السبت 24/فبراير/2024

النكبة من ورائنا والحرية بانتظارنا

برهوم جرايسي

أخطر ما يمكن أن يواجهه الساعي إلى الحرية، هو أن يتملكه اليأس بحكم ظروف عابرة. وهذا أشد خطورة حينما يكون الحديث عن شعب بأكمله؛ الشعب الفلسطيني، الذي يحيي هذه الأيام ذكرى نكبته، التي لم تقع في لحظة أو يوم، ولكنه حدد التاريخ الذي أعلن فيه عن قيام “الكيان الإسرائيلي”، أو ما يسمى صهيونياً “يوم الاستقلال”؛ وحسب تسمية جداتنا بعفويتهن الطبيعية، ووطنيتهن بالفطرة: “يوم الاستحلال”. ليأتي شعار فلسطينيي 48 “يوم استقلالهم يوم نكبتنا”؛ وهذا ما يَجن جنون الصهيونية، التي تواصل محاربة إحيائنا للنكبة في “يوم استحلالهم”.

لست ممن يُضخّم التعابير والأوصاف، بل من الداعين لجعل الأقدام على الأرض ثابتة، من دون أوهام ومبالغات. لكن أكثر ما أقلق المؤسسة الصهيونية الحاكمة، في أشهر الغليان الفلسطيني الأخيرة، هو تدني أعمار المقاومين، والارتفاع الحاد في نسبة الأطفال والفتيان، من الجنسين. فلا يوجد إنسان عاقل، بكامل مشاعره الإنسانية، يتمنى أن يرى طفلته وطفله، وأطفال شعبه والإنسانية عامة، يغادرون طفولتهم قسرا، ليغرقوا في أتون المواجهة مع عسكر مدجج بأحدث أنواع أسلحة القمع والقتل، ويُعرّضوا أنفسهم للقتل بدم بارد.

ونحن كأي شعب في العالم يسعى للحرية وللحياة الطبيعية، نريد لهؤلاء الأطفال والشبان والشابات، أن يمارسوا حياتهم الطبيعية والعصرية، إلا أن الاحتلال فرض عليهم واقعاً مُراً؛ واقع القهر والتنكيل والحرمان، حتى بات هذا الشعب يرى أنه لم يعد لديه ما يفقده. وهذه لم تكن جولة الغليان الشعبي الوحيدة التي نرى فيها أطفال فلسطين وفتيانها يهبّون في صفوف المقاومة الشعبية الأولى؛ فما يزال عالقاً في الأذهان “أطفال الحجارة”، إبان انتفاضة الحجر الباسلة، في نهاية الثمانينيات، وحتى أول التسعينيات من القرن الماضي.

ورسالة الأشهر الأخيرة مفادها أنه مرّة أخرى، وبعد ما يقارب 24 عاماً على تلك الانتفاضة، فإن أطفال فلسطين يبددون أوهام الصهيونية وزعيمها البائد ديفيد بن غوريون، الذي قال ذات يوم عن مستقبل القضية: “الكبار سيموتون والأطفال سينسون”. فها هم أبناء سنوات التسعينيات والألفين، من فلسطينيي 48 يطوفون بآلافهم بين أحضان شواهد القرى الفلسطينية المدمّرة والمهجّر أهلها قسرياً منذ 68 عاماً، وكانوا مع باقي الجيل الشاب، الجمهور السائد في مسيرات العودة التي شهدها فلسطينيو 48 يوم الخميس الماضي، وخاصة في المسيرة الوحدوية الجامعة التي جرت في صحراء النقب.  

في الظروف القائمة، قد تكون النظرة السوداوية واليأس يتملكان شعور نسبة عالية من الشعب الفلسطيني، فأوضاع الساحة الداخلية من سيئ إلى أسوأ، مع هيمنة أجندات ليست أولوياتها التحرير والاستقلال الفلسطيني، تبقي حالة الفصل بين قطاع غزة والضفة، بأجواء تنعكس على أبناء الشعب الفلسطيني كافة. وبموازاة ذلك، فإن الأوضاع الإقليمية المتفجرة، ووصول لهيبها إلى أنحاء مختلفة من العالم، تحاصر القضية وتُضعفها لصالح الاحتلال والصهاينة، خاصة لدى الدول المسيطرة على القرار الدولي.

لكن في المقابل، علينا أن نرى الوجه الآخر. فالمعادلة التاريخية على مر العصور، تثبت أن كل احتلال زائل. والاحتلال القائم ليس أقوى من كل الاحتلالات في التاريخ، والشعب الفلسطيني بالتأكيد ليس أضعف من باقي الشعوب التي سعت للحرية ونالتها. وهذا الاحتلال زائل ليس فقط بسبب تجارب التاريخ، بل لأنه كيان مليء بالأزمات الداخلية. وقسط كبير من العنصرية الشرسة المنفلتة، والمسيطرة على سدة النظام الإسرائيلي الحاكم وبرلمانه، منبعها القلق على مستقبلهم، فالقلق لديهم نابع من العامل الديمغرافي اليهودي-اليهودي، وبطبيعة الحال أيضاً، العامل اليهودي-الفلسطيني في فلسطين التاريخية، ومن العاملين الجغرافي والاقتصادي، وغير ذلك. 

لكن بطبيعة الحال، فإن شعباً يسعى إلى الحرية، لا يمكن أن يجلس في الزاوية يندب واقعه، أو ينتظر أزمات عدوه لتقضي عليه من الداخل، بل عليه أن يمسك بزمام المبادرة؛ المبادرات التي من شأنها أن تدفع بقضيته إلى الأمام على أسس الثوابت، والبرنامج الوطني الواحد والوحيد الذي تلتقي حوله الغالبية الحاسمة من الشعب الفلسطيني، في موقف شبه إجماع. وحينما نقول المبادرات، نعني على الصعد كافة: المقاومة الشعبية، والساحة الدولية، حتى يخضع المحتل للجلوس للتفاوض القصير المؤدي إلى الهدف: عودة ودولة؛ حرية واستقلال.
…………………….
صحيفة الغد الأردنية

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات