الأربعاء 22/مايو/2024

محطات مضيئة في منهج التغيير عند الشهيد الإمام أحمد ياسين (5)

د. نافذ سليمان

سمات التحدي والمواجهة في فكر الإمام الشهيد أحمد ياسين

إن المحك الحقيقي الذي تختبر فيه قدرات القيادة وكفاءاتها، يتمثل في طريقة تعاملها مع التحديات الخارجية ، بحيث تقلل نسبة الأعداء أو تحيد بعضهم ، وتزيد نسبة الأصدقاء والمناصرين ، ولا تعرض تنظيمها لمواجهات مفتوحة تستنزف طاقتها ، وتشتت اهتماماتها ، وتحرفها عن أهدافها الإستراتيجية.

وتميز الشيخ بقدرته الفذة على المواجهة والتحدي، بناء على فهمه العميق للواقع الفلسطيني والتحديات التي تواجهه، وقدرته على التنبؤ بالمشكلات قبل حدوثها ومن ثم وضع الخطط المناسبة لمواجهتها، وفي نفس الوقت تمتع الشيخ بالمرونة الكافية لاستيعاب المتغيرات التي تجري من حوله والاستفادة منها لصالح حركته وشعبه.

كذلك تميز الشيخ بالقدرة على المواءمة بين مقاومة الاحتلال والحفاظ على الوحدة الوطنية عصية على الاحتراب الداخلي، تزينه في ذلك حكمته السياسية في التعامل مع الجميع، والبعد عن النفاق السياسي ، بل بقي هو الأعز سواء في معادلة مقاومة المحتل أو معادلة التفاعل الوطني الداخلي.

وللتعرف على سمات التحدي والمواجهة التي تميز بها الشيخ، فيمكن الحديث عنها في ظل السمات التالية:

1-الفهم السليم للواقع والتحديات:

لقد فهم الشيخ الواقع الذي يعمل فيه بكل تعقيداته، سواء في الميدان الفلسطيني الداخلي ، أو واقع الاحتلال الصهيوني ، أو الواقع العربي والعالمي، وقد تعامل مع كل ذلك بحكمة بالغة ، ونظرة ثاقبة ، وثبات عجيب.

يقول مصطفى بن محمد الطحان: “واستغربت.. كيف يستطيع هذا الرجل الذي كتب الله عليه أن يعيش بلا أرجل ولا أيد تتحرك، وبصوت لا يكاد يبين.. كيف استطاع أن يوقظ شعباً ويتحدى الطغيان اليهودي الذي يحرك طغاة العالم، من الذي أعطاه هذه القدرة؟”[1].

– فعلى مستوى الواقع الفلسطيني ، تحدى الشيخ غربة الإسلام في هذا الواقع حين كان بعيداً عن التدين في بداية عمله فقد ” بدأ من الصفر، في زمن كان المد اليساري والقومي يجتاح الضفة الغربية وقطاع غزة،فيما يغيب التدين عن المجتمع الفلسطيني على نحو لم يحدث من قبل،عندما كانالتدين بدعة سيئة وعلامة رجعية، ظل أحمد ياسين مصراً على أن زمن الإسلام قادم لامحالة، وأن ما تراكم من غبار على وعي الأمة لن يلبث أن يزول لتعود إلى جذورها وسرعزتها”[2].

– وتعرض الشيخ وإخوانه في بدايات عملهم لأراجيف واتهامات من الفصائل الفلسطينية الأخرى ، بسبب إحجامه عن الدخول في ساحة الفعل المسلح خلال النصف الثاني من السبعينات لكن الرجل كان ينتظر اللحظة المناسبة ليبدأ في عام 1982 رحلة الإعداد التي كشفت في العام التالي لتضعه في السجن ويحكم لثلاثة عشر عاماً ومعه ثلة من إخوانه.

– كذلك تحدى الشيخ معادلة التوازن بين مقاومة الاحتلال والحفاظ على اللحمة الوطنية ورسم صورة زاهية على مستوى العالم كله ، يقول الدكتور غازي حمد ” لكن الكرسيالذي يحمل هذا الجسد النحيل صنع في نظر الكثيرين ما لم تصنعه عروش دول، لقد نجح فيإعطاء حماس «ماركة عالمية» لدرجة أن مسئولا إسرائيلياً وصفه ذات مرة بأنه “أكبر خطر استراتيجيعلى إسرائيل، وانه إذا لم تقم إسرائيل بتصفيته فإنه سيقوم بتصفيتها”.
كان الشيخالشهيد يسير في حقل ألغام حقيقي، ومطلوب منه دائما أن يقرر في وقت تتشابك عندهالمصالح والضغوط والتوازنات المحلية والإقليمية ـ وفي أسخن وأعقد منطقة بالعالم،كان مطلوبا منه أن يوازن بين عداوة إسرائيل المستحكمة واستحقاقات السلطة ومتطلباتالشعب ورغبات أبناء الحركة”[3].

– وعلى مستوى فهم الواقع العربي والإسلامي ، نجد أن الشيخ يدرك الواقع المرير القائم فيهما ، ويعتبر أن ما تمر به هو مأساة في تاريخ الأمة وحضارتها ، حين تتغلب دولة لقيطة صغيرة على دول العالم الإسلامي مجتمعة ، وتغتصب فلسطين والقدس منها، لكنه في نفس الوقت يبشر بجيل التحرير القادم ، فيقول “إن التاريخ سيسجل لأمتنا صورة سيئة في هذا الواقع الذي ضاعت فيه فلسطين والأقصى والقدس، وإن شاء الله سيسجل لها تاريخاً ناصعاً أبيض حين يأتي يوم التحرير، يوم تجتمع القوى المسلمة في كل الوطن العربي والإسلامي للوصول إلى الهدف المنشود إن شاء الله ، النصر قادم والأمة تنتفض ..”[4]

وعلى المستوى العالمي فهم الشيخ التآمر الدولي وعلى رأسه التآمر الأمريكي ، في حربها على ما يسمى بالإرهاب ،وما هي إلا حرب على الإسلام والمسلمين ، فقال في ذلك ” هذا ضمير بوش الذي أعلنه في أول الحرب على الإسلام و المسلمين عندما قال عن هذه الحرب أنها الحرب الصليبية ثم تراجع أمام الضغط العالمي و اليوم يعلنها حربا على الإسلام تحت شعار الإرهاب و الأيدلوجيات التي تولد الإرهاب ، فالإرهاب في نظر بوش هو الإسلام و المسلمون و الأمة الإسلامية ، لكن لا بد أن يفهم بوش أن أصحاب العقائد لا تخيفهم التهديدات و أن الإسلام أقوى من نظام بوش و من دولة بوش و الإسلام سينتصر وهو المنتصر في المستقبل “.[5]

وحول الأسلوب الأنجع في التعامل مع القوى الغربية المساندة لإسرائيل يقول الشيخ ” العالم الغربي الواقف مع الكيان الصهيوني لا يحترم إلا القوة ولا يحترم إلا الأقوياء وكلما يكون هناك ضعفاء يزيد من استغلالهم وإذلالهم، وبناء عليه أقول إننا نريد استنهاض الهمم في الأمة العربية والإسلامية لمساندة الشعب الفلسطيني، ولمواجهة العدو الإرهابي الذي يساند الكيان الصهيوني بالوسائل السلمية يعني مقاطعة اقتصادية وتجارية”[6].


[1]موقع المختصر على الانترنت

[2]المرجع السابق

[3]المرجع السابق

[4]الرقب: مرجع سابق 96

[5]المركز الفلسطيني للإعلام : مقابلة خاصة مع الشيخ

[6]المرجع السابق

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات