الإثنين 27/مايو/2024

محطات مضيئة في منهج التغيير عند الشهيد الإمام أحمد ياسين (3)

د. نافذ سليمان

تابع للمحور الأول : مؤهلات قيادة التغيير

3-الالتزام الوثيق (القدوة الحسنة):

الشيخ أحمد ياسين رجل دعوة قبل أن يكون رجل سياسة أو زعيماً للتحرر الوطني ، وهو يدرك أن فكرة الإسلام لا يمكن أن تحيا في الواقع ويقبل عليها الناس ، إلا إذا شاهدوا أمامهم القدوة الصالحة التي تحول الفكرة من إطارها النظري إلى واقع الحياة العملية ، ولذا جعل الله محمداً (صلى الله عليه وسلم) القدوة الأولى للمسلمين ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً” (الأحزاب ،21).

قدوة في العبادة :كان الشيخ قدوةً في عبادته لله ، فكان يستيقظ قبل الفجر بنحو ساعة فيصلي قيام الليل ، ثم يصلي الفجر ويجلس يقرأ ورده من القرآن والمأثورات ، وكان يكثر من صيام النوافل فإذا أدركه موعد الإفطار خارج البيت اشترى كوباً من اللبن يفطر عليه ، وكان يداوم على الصلاة جماعة في المسجد رغم ما به من مرض ، خاصة صلاة الفجر ، وذات مرة ذهب لصلاة الفجر وحده – وذلك في بدايات شلله – فسقط على الأرض وظل مكفياً على وجهه حتى شروق الشمس فرآه الناس ورفعوه، أما بالنسبة لماله فقد سخره للدعوة إلى الله فكان يقسم راتبه إلى نصفين ، نصف ينفقه على المحتاجين والنصف الآخر لبيته ، وربما مال عليه لحاجة الناس.

قدوة في الزهد :عاش الشيخ حياته زاهداً في بيت شعبي ، ويأكل مما يأكل منه عوام الناس ويلبس أبسط الثياب ، وقد ذكرنا سابقاً طرفاً من زهده وتواضعه.

قدوة في الصبر والتضحية: وقد ذكرنا سابقاً طرفاً من صبر الشيخ على مرضه وسجنه وظلم المعادين له، وصبره على تكاليف الدعوة ووعورة طريقها، وكان صبوراً حتى على إيذاء جيرانه.

قدوة في التربية والإعداد:لقد كان الشيخ أحمد ياسين نعم المربي لأتباعه ، فقد شجعهم على أن يأخذوا دورهم في الدعوة إلى الله ، وإصلاح المجتمع وجهاد المحتلين ، ويدل على ذلك هذا الكم الكبير من القيادات التي ظهرت على يدي الشيخ في جميع المجالات الدعوية والسياسية والجهادية والنقابية والاجتماعية “فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ” ومن أمثلة هؤلاء : المفكر المجاهد كالدكتور إبراهيم المقادمة والسياسي المحنك كالمهندس إسماعيل أبو شنب والقائد العسكري كالشيخ صلاح شحادة ويحيى عياش وآخرون غيرهم كثير ، ويصف الدكتور أحمد بحر نموذجاً من الدور التربوي الذي قام به الشيخ فيقول : ” لقد كان سببا في إعطائي دفعة في الخطابة والدعوة إلى الله في المساجد، وتعلمنا منه التفاني والتضحية، وألا نكل أو نمل في دعوتنا إلى الله سبحانه وتعالى وأعطانا قوة العزيمة والصبر والأمل في النصر، وعلمنا الشجاعة والجرأة وألا نخاف الموت، وتوج هذا أيضا بتقوى الله والقرب من الله كما كان يحثنا على صلاة الفجر في جماعة، كما كانت آخر عباراته التي سمعتها هي ترديده للآية الكريمة “وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين”[1] (آل عمران – 46 ).

4-العمل المتواصل:

 لقد نذر الشيخ الإمام حياته كلها لله ، ولم يجعل الشلل والأمراض التي أعاقت حركة جسده أن تعيق انطلاق روحه وفكره ، الذي جاب مدن فلسطين وبلاد الإسلام والعالم أجمع بفكره وسيرته وهمته العالية التي تناطح السحاب ، وتستخف بالصعاب ، فكان الشيخ لديه همة أمة في شخص رجل ، والمتتبع لحياة الشيخ يجد انه لم يعرف طعم الراحة ، فكان يومه مليئاً بالعمل من قبل صلاة الفجر إلى الساعة الواحدة ليلاً ما بين عبادة وذكر إلى علم ومطالعة إلى مقابلات وحل لمشكلات الناس ، ومتابعة لأنشطة الحركة والتحديات التي تواجهها.

فهذا الشيخ زياد عنان – من مدينة غزة الذي رافق الشيخ فترة الثمانينات خلال عمل الشيخ الشهيد القائد في الإصلاح يصف الجهد المضني الذي كان يبذله الشيخ -فيقول : إنه لم يكل أو يمل يوما فكان يبدأ يومه منذ ساعات الفجر وحتى نومه يستقبل المواطنين في منزله المتواضع الذي قسمه نصفين نصف لأسرته ونصف للاستقبال ومتابعة  شكاوى الناس وقضاياهم ،ويضيف عنان :  ” إنه في أحد أيام رمضان انتهى الشيخ من حل قضية قبل الإفطار بدقائق وأثناء نقلي له على كرسيه إلى داخل المنزل الذي كان فيه مع أهل بيته فوجئنا برجل يدخل علينا، ويرجو الشيخ أن يسمع شكواه فما كان مني – شفقة على الشيخ – إلا أن عاتبت الرجل على حضوره في وقت غير مناسب ،وطلبت منه أن يعود في وقت آخر، وتابع عنان: ردي لم يعجب الشيخ وقال: لي أنا لم أطلب منك أن ترد على الرجل: وإذا كنت قد تعبت فاذهب إلى بيتك .. هذا كان رد الشيخ الشهيد الحي الذي أنهكه العمل على شكاوى الناس طوال اليوم  وحين جاء وقت تناوله الإفطار آثر أن يستمع للرجل حتى النهاية ليمتد الوقت بالشيخ دون إفطار لما بعد العشاء.

وأضاف عنان “إن الشيخ ياسين قال لي بعد أن ذهب الرجل، أهكذا الدعوة يا زياد”. وأردف عنان قائلا “هذا الموقف لم أنسه في حياتي.. علمني كيف أتعامل مع الناس، حيث قال لي: ” أنت تريد أن توصل رسالة إسلامية للناس، فكيف تريد أن تكون إنسانا داعية للحق بسلوكك هذه الطريقة، وكان دائما يوصينا أن نكون رفقاء بالناس، ولا نستخدم أي أسلوب قاس، مع أي منهم حتى المعتدي” ، وهكذا يكون القائد مربياً لأتباعه بالأحداث والمواقف ، لا يمر عنها مر الكرام ، بل يجعلها فرصة للتربية وتعديل السلوك والمفاهيم.

ورغم هذا الجهد الضخم الذي كان يبذله هذا الشيخ القعيد إلا أنه لم يشكُ أو يظهر الملل ، بل العكس كان أتباعه أحيانا يظهرون ضيقاً أو تعباً أو انشغالاً في مصالحهم الخاصة،وهو لا يظهر إلا الصبر والجلد، ومن أمثلة ذلك ما يقوله الدكتور أحمد بحر ” طلبت إذناً من الشيخ وقلت له أنا تعب ولا أريد أن أخرج معكم ،فقال لي أنت تعبان وأنا مش تعبان” فقلت في نفسي إن هذا الرجل المشلول لا يعاني بالرغم من مرضه ،وأنا أعاني و هذا يدل على الطاقة الموجودة في الشيخ التي لم تكن نراها في الأصحاء ،وهذا السر العجيب في الشيخ.

وفي مجال نشر الدعوة في مدن فلسطين يروي الدكتور أحمد بحر، أن الشيخ أحمد ياسين زاره في بيت أُمَّر بالخليل، ودخل المسجد في البلدة ورآه الناس -في القرى يحب الناس أمام المسجد وبالذات إذا كان غريبا ولهذا كان الشيخ بحر محبوبا في القرية- ظنوا أن الشيخ يريد أن يطلب مساعدة فاجتمع حولي المصلون، وقالوا : ماذا يريد هل يريد فلوسا، فوقفت أمام الناس، فقلت لهم هذا شيخنا وإمامنا أتى ليعطيكم الدروس، وعندما أعطى الدرس انبهر الناس به، واجتمعوا حوله يسلمون عليه ويقبلونه.[2]



[1]http://www.palestine-info.net/arabic/spfiles/yaseen2/wamadat.htm

[2]http://www.palestine-info.net/arabic/spfiles/yaseen2/wamadat.htm

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات