الإثنين 27/مايو/2024

محطات مضيئة في منهج التغيير عند الشهيد الإمام أحمد ياسين (2)

د. نافذ سليمان

2- الفهم الدقيق :     

– لعل مما تميز به الشيخ احمد ياسين عن غيره من دعاة الإسلام في فلسطين ، هو فهمه الدقيق لفكرته ونظرته للإسلام نظرة شمولية تستوعب ميادين الحياة كلها ، فالإسلام في نظر الشيخ منهج كامل للحياة ، فهو كما قال الإمام حسن البنا – والذي يسير الشيخ على خطاه –” الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة ، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة ، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء ، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى ، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة ، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة ، سواء بسواء”[1].

وهذا ما أكدته المادة الثانية في ميثاق حركة حماس حيث جاء فيها ” حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين ، وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي ، وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث ، وتمتاز بالفهم العميق ، والتصور الدقيق والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتى مجالات الحياة ، في التصور والاعتقاد ، في السياسة والاقتصاد ، في التربية والاجتماع ، في القضاء والحكم ، في الدعوة والتعليم ، في الفن والإعلام ، في الغيب والشهادة ، وفي باقي مجالات الحياة”[2].

ولقد جسد الإمام أحمد ياسين هذا الفهم الشمولي للإسلام ، بداية ببناء المجمع الإسلامي والذي يحتوي على مسجد للعبادة ، وروضة أطفال ومدرسة للتربية والتعليم ، ونادٍ للتدريب الجسماني ، وعيادة للعلاج الصحي ، ومركز للنشاط النسوي ، وآخر للخدمة الاجتماعية وتقديم المساعدات للمحتاجين.

ثم اتسع تطبيق الشيخ لشمولية الإسلام بنشر الدعوة في كل أرجاء فلسطين ، ثم دخول النقابات وبناء المؤسسات المتخصصة ، ثم العمل السياسي والجهادي .

–  وكان لدى الشيخ فهماً عميقاً لمراحل العمل، يقول الشيخ ” ثلاث مراحل هي التعريف والتكوين تسيران معاً ، ثم تأتي مرحلة التنفيذ التي دخلناها في الثمانينات0.”

–  ، وعن ترتيب الأولويات يقول الشيخ في رد له على سؤال حول الأولويات التي وضعها التنظيم منذ بدايات نشأته ” أولاً نريد نشر الإسلام بإنشاء المكتبات في المساجد ، ثم نريد توسيع التنظيم ، كيف نبني الأسر هذا كان أول هدف ، لأنه كان لا يوجد تنظيم قوي ، ولا يوجد لنا وجود قوي فنريد أن نوجد أرضية ننطلق منها لما بعدها”

–  كذلك تجلى الفهم الدقيق عند الشيخ لأسباب هزائم العرب المتوالية وعدم قدرتهم لتحقيق النصر على إسرائيل وتحرير فلسطين ، بسبب رفع رايات القومية العربية وتنحية راية الإسلام عن المعركة ، والاهتمام بإزالة آثار العدوان لا بإزالة العدوان نفسه، وفي ذلك يقول الشيخ ” القضية التي تعالج من أساسها قضية الاحتلال ، ويجب أن يقاوم ويقاتل حتى يزول ، فإذا زال الاحتلال زالت كل آثاره”، ومن أجل ذلك عمل الشيخ على الرجوع بالقضية إلى حاضنتها الأولى والأصيلة ألا وهي الإسلام ، وجسد الشيخ هذا الفهم بسلوك طريق الإعداد والتربية التي عبر عنها بقوله ” أنا أهتم جداً ببناء الجيل القادم ، الجيل الذي يحمل عبء القتال والجهاد ، وتحرير الأرض وطرد الاحتلال والاستعمار الصهيوني من أرض وطننا “*[3].

–  وكان الشيخ يفهم الأهداف الكبرى التي يسعى لتحقيقها وهما هدفان رئيسيان : نشر الإسلام وإعادة الشعب الفلسطيني إليه ثم الأمة الإسلامية ، والهدف الثاني هو تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني.

–  وفهم الشيخ كذلك التناقضات القائمة على الساحة الفلسطينية ، من تعدد الاتجاهات الفكرية والسياسية ، ووجود السلطة الفلسطينية والاتفاقيات التي تقيدها ، ولذلك استطاع بمهارة فائقة أن يجمع بين استمرار العمل الجهادي والحفاظ على الوحدة الفلسطينية، رغم ما تحمله هو وجماعته من ظلم السلطة لهم ، وتعاونها الأمني مع الاحتلال ضدهم ، إلا أن شعار الشيخ الذي رفعه لمنع الاقتتال الداخلي هو قول الله عز وجل ” لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ، إني أخاف الله رب العالمين”(المائدة ، 28).

هذه بعض معالم الفهم الدقيق الذي تميز به الشيخ الشهيد أحمد ياسين ( رحمه الله)،وهي إشارات سريعة ونماذج مضيئة وليست حصرأ لفكر الشيخ وفهمه الذي اتسع لجميع مجالات العمل الإسلامي والوطني ، صغيره وكبيره حتى تدخل الشيخ لحل مشكله تمثلت في خلاف وقع بين فريقين لكرة القدم لمسجدين في غزة حيث تصاعد الخلاف إلى الشجار.. فكان الشيخ القائد يسأل عن كل صغيرة وكبيرة عن سبب الخلاف ،  واستغل الشيخ القائد زيارة الفريقين  له، وقام بنقاشهم حول أسباب الخلاف لدرجة أظهرت علم الشيخ بقوانين كرة القدم، وفي نهاية الأمر توصل الشيخ إلى حل يرضي الطرفين  يتناسب مع قوانين اللعب من جانب، وأخلاقيات المسلم .، وهذا أحد مهندسي المقاومة الشعبية التابعة ” لحماس “قال ” إنهم  فوجئوا في إحدى المرات بالشيخ الشهيد الرمز يناقشهم في أدق تفاصيل عملهم في إطار الاستعدادات للتصدي لأي اجتياح صهيوني محتمل لمدينة غزة مضيفا أن حديث الشيخ الشهيد الرمز لم يكن مجرد حديث للترف أو الاستعراض وأضاف المجاهد:” أن الشيخ اقترح طرقا لنصب الألغام الأرضية لمواجهة دبابات الاحتلال ،واهتم بمعرفة طريقة وآلية توزيع المجاهدين على مناطق مدينة غزة ،والمحاور التي يمكن أن تكون مداخل لاجتياح قوات الاحتلال الصهيوني[4].


[1]البنا ، حسن : مجموعة الرسائل ، 356

[2]ميثاق حركة المقاومة الإسلامية “حماس” : 3

[3]مقابلات خاصة مع الشيخ أحمد ياسين

[4]http://www.palestine-info.net/arabic/spfiles/yaseen2/wamadat.htm

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات