الإثنين 27/مايو/2024

محطات مضيئة في منهج التغيير عند الشهيد الإمام أحمد ياسين (1)

د. نافذ سليمان

إن من رحمة الله بهذه الأمة أنه كلما كبا جوادها وانثلم سيفها وتكسر قوسها ، أرسل إليها من يقيل عثرتها ويصقل سيفها ويبري قوسها، لتنهض من جديد ، وتستأنف رسالتها بعزم حديد، على خطى الهادي الرشيد، هكذا بشر النبي (صلى الله عليه وسلم) فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.(رواه أبو داود)، وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين” ( من كتاب الجرح والتعديل – لابن أبي حاتم).

ولقد كان الشيخ “أحمد ياسين” حقاً من أولئك المجددين لحيوية الإسلام وفعاليته في هذا العصر الذي ادلهمت فيه الخطوب ، وتوالت فيه الكروب ،واستنوق فيه الجمل واستأسد فيه الحمل، وبات المسلمون فيه كالغنم الشاردة في الليلة الشاتية ،لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ويقضى في أمورهم دون مشورتهم

ويُقضى الأمرُ حين تغيب تيمٌ           ولا يُستأذنونَ وهم شهودُ

جاء الإمام الشهيد والأمة الإسلامية في حالة تنازع وفشل يكاد أن يذهب بريحها، قد تداعت عليها الأمم وأصابها الوهن، واستباح الأعداء حماها، وتقاسموا خيراتها واحتلوا أقصاها، فعلمها”كيف ثقف وإن كانت عزائمها واهية..كيف تشق الدروب وتجابه الخطوب وإن ساخت قوائمها في تراب جفوة العرب ووحل مشاريعهم ..كيف تنظر إلى عليين والبصر فيها كليل سقيم ..كيف تفكر والبدن منها مجهد والرأس كليم..كيف تمتلئ حماساً لتتحرك قوافل المجاهدين من “حماس” ..علمها أن الإسلام عبادة وقيادة ،مصحف وسيف،مئذنة ومدخنة ،حياة وشهادة ..علمها كيف تستعلي بإيمانها وتطالب بحقها حتى في لحظة انتعاش الباطل وقعقعة آلته و”بخترة” عساكره.. رجل كان لها منبر ومنارة تردع الظالمين وتهدي الحيارى ..رجل ذو قلب كبير ،وعقل مستنير و لسان أمين..رجل نسأل الله أن يبارك جهده ويرفعه ويزكيه”[1]

إن أحمد ياسين وإن مات جسداً ،فإن فكره وحركته لا يزالان يجلجلان في عالم الأحياء، فزرعه قد أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، “لقد تفاخرت المجتمعات الغربية والعربية والإسلامية بما أنجزته بعض الشخصيات المعاقة على أصعدة متعددة سواء في ميدان العلم أو الأدب أو اللغة أمثال هيلن كيلر وطه حسين والأعشى وغيرهم ، وحقيق على الشعب الفلسطيني أن يفاخر بهذه الشخصية الفذة التي حباها الله قدرة عالية من العطاء لشعبها ، فإذا أنجز هؤلاء الأدباء والكتاب متفرقات من العلم والأدب ، فإن هذا العطاء يتضاءل أمام عطاء هذا الشيخ الذي أعاد بناء جيل كامل على منهج الدعوة الإسلامية القويمة ، فخرج الكتاب والأدباء ورجال الدعوة والفكر والأساتذة ، وقد انتشر تلامذته في أنحاء العالم يبلغون رسالة الإسلام ليكونوا فروعاً لهذه الشجر”[2]

الناس صنفان موتى في حياتهم         وآخرون ببطن الأرض أحياء

مثل الشيخ أحمد ياسين قيادة فذة للتغيير، استطاعت أن تقهر عجز الأبدان بنور الإيمان، وظلم الاحتلال بالمقاومة والقتال، وقلة النصير بالتوكل على القوي القدير، فلا غرابة أن يسميه أحد من كتبوا عنه ب”الظاهرة المعجزة وأسطورة التحدي”.

لقد جاء الشيخ “أحمد ياسين”في زمن ضاعت فيه البوصلة التي يستهدي بها المسلمون في طريقهم ،فأعاد إليهم الثقة في أنفسهم بأنهم أصحاب مجد تليد وحضارة وافرة ،وأنه باستطاعتهم إذا رجعوا إلى دينهم أن يتبوءوا كرسي الأستاذية للبشرية ، ويتسنموا ذرى السؤدد والسيادة، ويسوقوا الدنيا من خطامها نحو الله رب العالمين. 

وسنعرض في هذه الحلقات بعضاً من منهاج التغيير عند الشيخ أحمد ياسين في عدة محاور تتمثل في محور مؤهلات قيادة التغيير ومنهج الشيخ في التغيير وأثر منهج التغيير الذي قاده في المجتمع الفلسطيني، ونبدأ اليوم بالمحور الأول

المحور الأول : مؤهلات قيادة التغيير

وسيتعرض الباحث في هذه الحلقة السمات التي تميز بها الشيخ أحمد ياسين كصاحب فكرة ومبدأ ، والتي تلزم كل قائد للتغيير لكي ينجح في مهمته وتحقيق غاياته ، ومنها:

1-الإيمان العميق :

كان الشيخ أحمد ياسين مثالاً للقائد المؤمن بالله عز وجل إيماناً عميقاً ، إيماناً يمنحه القوة على أداء رسالته وتحمل المشاق في سبيل ذلك من مرض وسجن وإيذاء ، فقد عاش حياته كلها لله رجاء أن يرضى عليه ، وهذا ما عبر عنه بقولته الشهيرة ” أنا إنسان عشت حياتي، أملي أن يرضى الله عني ، ورضاه لا يكتسب إلا بطاعته ، وطاعة الله تتمثل بالجهاد من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض، ومن أجل تطهير أرض الله من الفساد الذي يقيمه أعداء الله في الأرض ، فإذا ما حققت الهدف الأول ، وهو تطهير الأرض الإسلامية من الاغتصاب ، وقام عليها النظام الإسلامي فهذه أمنيتي ، التي أسعى إليها ، وأرجو أن ألقاه عليها ، فإذا تحققت فذلك فضله ، وإن مت قبل أن تتحقق فقد بدأت الطريق وخطوت خطوات “والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون(يوسف ،21)..”[3].

 إيمانه بأن الرزق من الله: إن إيمانه العميق بالله جعله يؤمن بقضائه وقدره ، وأن الرزق والأجل بيده وحده ، فلم يجزع بسبب ضيق عيشه ولم يخش من الموت والاغتيال ، فحين ذهب لمقابلة لجنة التوظيف في وزارة التعليم المصرية عام 1958 ، وكان يسير على رجليه في الرمل سيراً صعباً بسبب الشلل الذي أصابه ، لقيه أحد أصحابه وحاول ثنيه عن الذهاب قائلاً له : وهل تتصور أن اللجنة ستوافق عليك؟ فابتسم الشيخ وقال: يا أخي وهل تتصور أنني ذاهب للجنة لكي استعطفها ؟ لا والله فأنا مسلم وأثق أن الله إذا أراد لي التعيين ، فلن يتمكن بشر من قطع رزقي ،ألم تقرأ قوله تعالى ” وفي السماء رزقكم وما توعدون ، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون”(الذاريات:22-23).[4]

إيمانه بالأجل :ومن علامات إيمانه القوي بأن الأجل مقدر، وأنه لا مفر منه، أنه كان لا يخشى الموت والشهادة، بل كان ذلك أقصى ما يتمناه، ولذلك لم يختبئ في مكان مجهول حتى لا تستهدفه الطائرات الإسرائيلية، والتي يعلم جيداً أنها ستنال منه، وأن شارون أصدر أوامره بتصفيته، بل بقي في بيته وكان يقول:لا أخشى الشهادة، بل أحب الشهادة، حين يريدونني سيجدونني في مقعدي المتحرك، أنا لا أختبئ”.

وحين أجرى بعض الصحفيين لقاءً معه قبل أسبوع من استشهاده، وقال في مقدمته: بأننا نجري حواراً الآن مع الشيخ من مكان ما في غزة لا نحدده لدواع أمنية، غضب الشيخ وقال أنا مستعد أن أجري معك حواراً في البيت أنا لا أختبئ “.

ورفض الشيخ عروضاً بالاختباء في بيت أخيه الأكبر الحاج شحدة ياسين، وكذلك رفض الذهاب إلى المستشفى عشية اغتياله خوفاً أن تستهدفه الطائرات هناك فتحدث مجزرة بين المرضى بسببه[5].

الإيمان بالفكرة :أما بالنسبة لفكر الشيخ والمنهج الحركي الذي يتبعه فهو منهج الإخوان المسلمين وفكرهم، تلك الجماعة التي تأسست في مصر على يد الإمام الشهيد حسن البنا عام 1928 والتي تدعو إلى فهم الإسلام فهما صحيحاً شاملاً وتطبيقه في شتى مناحي الحياة ، ويعبر الشيخ عن هذا الاتجاه بقوله “أنا إنسان إسلامي وتفكيري التفكير الذي كان ينتهجه الإمام حسن البنا في رسائله وفيكتبه ، يعني أنا أحب حركة الإخوان، وأتمنى أن يعود للإسلام دوره ووجوده في الأرض، أنا إنسان أدعو إلى الإسلام وأحب أن ينتشر..”

إيمانه بقضية وطنه:لقد عاش الشيخ الإمام حياته كلها لقضية شعبه –رغم أن الله عذر من كان في مثل حاله – إلا أن هذه القضية قد استولت على مشاعره وتفكيره وأصبحت همه الأول ، ويعبر الشيخ عن إيمانه بعدالة قضيته وضرورة بذل الجهد لتخليصها من الاحتلال الصهيوني بقوله” كانت القضية الفلسطينية جزءا من حياتنا ووجداننا كنا نتنفسها مع الهواء فعلا ، فالظروف التي كنا نعيشها في المخيمات كانت تذكرنا ليل نهار وفي كل وقت بالمأساة والنكبة فترانا نسمع أخبار المذياع ونتابع تطورات القضية وبدأت تتبلور شيئا فشيئا حتى وصلنا إلى مرحلة الشباب ونحن ننظر إلى قريتنا وهي على بعد كيلومترات من قطاع غزة ، وكان السؤال المهم ماذا نفعل حتى نعود إلى أرضنا؟ حتى وصلنا إلى مرحلة بدأنا فيها تنفيذ ما نريده من العمل الجهادي ولم أترك للشلل الذي أصابني في جسمي فرصة أن يكون عائقا أمام الاستمرار في الدعوة والعمل والبناء وخاصة تعبئة النفوس المسلمة للقتال والمواجهة والاستشهاد ، والإعداد الفعلي بدأ منذ العام 1980 وبدأنا بإعداد أنفسنا لمرحلة المواجهة مع العدو الإسرائيلي بتوفير السلاح والشباب والتدريب[6].


[1]يوسف،أحمد :أحمد ياسين ..الظاهرة المعجزة وأسطورة التحدي،(1-2)

[2]عدوان،عاطف :الشيخ أحمد ياسين حياته وجهاده ،

[3]الرقب، صالح: الشهيد أحمد ياسين..صفحات من حياته ودعوته وجهاده ، ص 20

[4]يوسف،أحمد :أحمد ياسين ..الظاهرة المعجزة وأسطورة التحدي ،12

[5]الرقب : مرجع سابق ،75-76 بتصرف

[6]http://www.eyelash.ps/vb/archive/index.php/t-3411.html

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات