الأحد 14/يوليو/2024

الشعب الفلسطيني يستحق قيادة إنقاذ

بقلم : الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

إن المتتبع لما يدور في عالمنا المعاصر يرى أن القادة في كثير من أقطار العالم خاصة في الدول ذات النظم غير الدكتاتورية يحرصون على تكريس جهدهم ووقتهم وطاقاتهم وحياتهم لخدمة شعوبهم، لا يفعلون ذلك كثمرة لمبادئ يحملونها تجعل من خدمة الشعوب فريضة شرعية كما هو الحال في ديننا الإسلامي، ولكن همهم أن يخدموا أنفسهم من خلال خدمتهم لشعوبهم، فما يزرعونه اليوم يحصدونه غدا عبر صناديق الاقتراع، فإن كانت تلك الشعوب تحظى بهذا الاهتمام من أجل كسب أصواتها فما أحرانا نحن أن نقدم كل ما نملك من جهد وطاقة لشعبنا الفلسطيني لأن ذلك واجب ديني أولا، ولأن شعبنا يستحق كل التقدير وقد ضرب أروع الأمثلة في ميادين التضحية والفداء دفاعا عن كرامة الأمة ثانيا، وحماية لخيار المقاومة التي تواصلت بفضل الله ثم بفضل صمود هذا الشعب ثالثا، والرجاء والأمل هما الدعامة الكبرى لتعزيز صمود هذا الشعب رغم ما يصيبه من الألم، فإذا فقد الرجاء دب اليأس في النفوس فيحل بها الوهن، وهذا ما يمكن أن نفهمه من قول الله عز وجل (وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) {104آل عمران}، فالله يفتح باب الرجاء لتثبيت المؤمنين وقد عضهم الألم.

 

وما من شك أن الهم الرئيس للعدو الصهيوني أن يوصد أبواب الرجاء في وجه شعبنا المجاهد، لأنه يدرك أن تضحيات الشعب ستهون إذا ما تذوق ثمار جهاده، مما يعزز صموده وتشبثه بخيار المقاومة، ومن هنا سيعمل هذا العدو المجرم على تحطيم معنويات الشعب الفلسطيني من خلال إخراجه صفر اليدين بعد هذا الجهاد المتواصل والصبر الجميل على ما أصابه من معاناة، ليقول له بلسان الحال إن ما بذلت من تضحيات لم تجلب لك إلا المزيد من المعاناة، فيقعد عن مواصلة جهاده لتحرير وطنه ومقدساته.

 

من هنا بات لزاما على كل صاحب تأثير أن يجرد سيفه لتعزيز صمود الشعب وحماية معنوياته، فالانتصار العسكري الذي ستحرزه المقاومة بإذن الله عاجلا أو آجلا يجب ألا يتحول إلى هزيمة معنوية لشعب صلب المراس، وهذا يعني أن الفصائل الوطنية والإسلامية التي تقود انتفاضة هذا الشعب المجاهد يقع على عاتقها العبء الأكبر في التصدي لشبح اليأس وفقدان الرجاء.

 

ومن خلال هذا التصور تبدو قيمة ما نتطلع إليه من تشكيل قيادة يستحقها هذا الشعب بعد الهروب المتوقع من قبل العدو الصهيوني من قطاع غزة، فالشعب الفلسطيني جدير بأن تكون له قيادة تحفظ عليه كرامته، وتصون حقوقه، وترفع عن كاهله الظلم، وتوفر له الحياة الكريمة، وتقضي على التمييز الفئوي الذي يزرع بذور الفتنة بين أبناء الخندق الواحد، وتنهض به ليواكب أرقى ما توصلت إليه الحضارة من مستويات علمية ومعرفية وإدارية ومعيشية ونظم وقوانين ونظافة وجمال ورفاهية، ليشعر أن تضحياته قد أثمرت.

 

لقد آن لنا أن نعوض هذا الشعب كل ما فقده بسبب الاحتلال المجرم، وعلى سلم الأولويات الأمن بكل صوره، السياسي، والغذائي، والقضائي، والاجتماعي، وغير ذلك، فهو الذي عانى من فقدان الأمن منذ وطأت أقدام آكلي لحوم البشر من اليهود أرض فلسطين، فمن حقه علينا ألا تصوب بنادقنا إلى صدور أبنائه، وألا نترك الحبل على الغارب للعابثين بأمن المواطن واستقراره، وألا نغض الطرف عن العملاء الذين باعوا أنفسهم لليهود فكانوا الأداة القذرة التي يضرب بها العدو أمن واستقرار شعبنا.

 

لقد حرم هذا الشعب من حقه في تقرير مصيره على مدى عقود طويلة من الزمان، وآن له اليوم أن يسترد هذا الحق، وأن يعطى كامل الحرية في اختيار من يقوده ويمثله، بعيدا عن سياسة الإقصاء وتزييف الإرادة.

 

وأكثر ما اكتوى به شعبنا بسبب الاحتلال غياب العدالة، وقد طال الاعتقال والتعذيب مئات الآلاف من خيرة أبنائه، واليوم آن لهذا الشعب أن يعيش في ظل قانون عادل يستلهم من عدالة السماء، يحرم الاعتداء على الحريات، وينبذ سياسة تكميم الأفواه، ويتصدى للاعتقالات المزاجية، وآن له أن يعيش في كنف قضاء حر مستقل، تحترم قراراته فلا تلقى في سلة المهملات، وفي ظل عدالة ترفض التمييز الفئوي السيئ الذي حرم العديد من أصحاب الكفاءات من حقهم في التنافس على الوظائف في مؤسسات الحكومة بسبب انتماءاتهم الفصائلية، عدالة لا تميز بين حاكم ومحكوم، وعظيم ووضيع، وغني وفقير، وفصيل وفصيل.

 

لقد دمر الاحتلال والفساد الوضع الاقتصادي للشعب الفلسطيني، وقد حان الوقت الذي يصان فيه المال العام، فلا تمتد له يد العابثين بغير حق.

 

لقد حرم عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مواصلة تعليمهم، وقد ألجأتهم الحاجة للبحث عن لقمة العيش إلى العمل في مصانع ومزارع وورش العدو المحتل مما اضطرهم إلى ترك قاعات الدرس، واليوم بات من حقهم علينا أن نوفر لهم الحياة الكريمة، وأن نفتح الأبواب أمامهم لينهلوا من العلم والمعرفة على اختلاف أعمارهم.

 

وكم عانى شعبنا من تردي أحوال الخدمات العامة خاصة في المجالين الصحي والتعليمي بسبب الاحتلال أولا، وبسبب الفساد الإداري والمالي ثانيا، وآن لنا أن نضع حدا لهذه المعاناة من خلال تطوير نوعي في مجالي الصحة والتعليم، كما بدا واضحا أن البلديات والمجالس القروية أصبحت شبه عاجزة عن تقديم ما يلزم من خدمات بسبب سياسة الاستحواذ، ومن حق الشعب الفلسطيني أن يختار رؤساء وأعضاء المجالس البلدية والقروية من خلال صناديق الاقتراع لنذكي روح التنافس على تقديم الخدمات بعيدا عن سياسة التعيين التي جعلت من هذه المؤسسات هياكل جامدة.

 

هذا قليل من كثير مما ينبغي أن نحققه لهذا الشعب العظيم لأنه يستحق ذلك أولا، وإفشالا للمخطط الصهيوني الذي يستهدف صموده ثانيا، فقد آن لنا ألا نصادر حق هذا الشعب العظيم في شق طريقه نحو مستقبل واعد، فالشعب الفلسطيني يستحق قيادة إنقاذ.

 

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات