الأحد 23/يونيو/2024

نزعوا جلبابها وحجابها.. مرابطة تروي قهر زنازين الاحتلال

نزعوا جلبابها وحجابها.. مرابطة تروي  قهر  زنازين الاحتلال

“في يومي الأوّل في سجن الرملة، انتزعوا الدّبابيس التي أثبّت بها حجابي، وبعد رجوعي من محكمتي الأولى أخبروني أن معاصم يديّ ممنوعة في السجن بحجّة أنّها زيادةٌ عن اللباس، أخذتها منّي السجّانة وألقتها في سلّة القمامة القريبة، استطعت أن أتجاوز أمر المعاصم؛ إذ أن أكمام جلبابي كانت ضيّقة ممّا يغنيني عنها”، تروي المرابطة المقدسية خديجة خويص، حكاية القهر في زنازين الاحتلال الصهيوني، خلال اعتقالها الأخير.

تقول: “ذات ليلة بينما كنت عائدة لزنزانتي بعد يومٍ طويلٍ في البوسطة (قبور متنقلة على شكل حافلة جميلة)، ولم أكد أغمض أجفاني، حتّى تمّ استدعائي للتحقيق، جهزّت نفسي وكنت قد غسلت جواربي، فلبستها مبتلّة، ولما قيّدت السجّانة قدميّ، قالت لي: عند عودتك ستخلعين جواربك!!”.

تتابع: “عدت من التحقيق بعد الواحدة ليلاً والسجانة تنتظرني، أخذت جواربي ورمتهما في سلّة القمامة”.

“مرّت عشرة أيّام على الاعتقال، وأنا في زنزانتي معزولةً عن الجميع، بين صلاتي وقرآني ودعائي ومناجاتي وبكائي لله عزّ وجلّ بأن يرفع هذه المحنة، كنت مثالاً للهدوء والاتّزان في السّجن ، بينما كان يعجّ قسم العزل بالصراخ والشتائم والجنون”، تقول خويص.
نزع الحجاب
تتذكر أدق التفاصيل: “خرجت لمحكمتي عند الخامسة فجرا، وعندما عدت للسجن، ناداني مسؤول السجن، وأخبرني من اليوم فصاعداً يُمنع عليك ارتداء الحجاب والجلباب داخل القسم!، لم أعرف حينها بأيّ لغةٍ أخاطبه لأفهمه أنّ ذلك غير معقولٍ أبدا، فلم تسعفني أي كلمة، وأنا القوية دوما، أنا التي لا أبكي أمام سجّاني حتى لا يشمت بي، وحتى لا ينتشي بقوته!”

في حشرجة لا تتوقف: “مع ذلك كلّه لم أتمالك دموعي ذلك اليوم، بكيت أمامه بحرقة، لا يمكنني أن أفعل ذلك، ولن تفعل أنت، أوصلني إلى باب القسم، وأمر السجّانة أن تنزع حجابي فنزعته، وطلب منّي أن أخلع جلبابي وإلّا خلعوه بالقوة، فاضطررت لخلعه أمامهما، أدخلوني زنزانتي أجرّ أذيال قهري، فانفجرت باكيةً لا ألوي على شيء، حاولتُ ضبط دموعي، والله كانت تسيل رغماً عنّي !”

زحمة أسئلة سيطرت عليها في لحظة واحدة: تقول “أنا التي بلغتُ الأربعين ولم أخلع حجابي مذ كنت في السابعة؟ ولم يرني أيّ أجنبي دون جلبابي مذ كنت في الخامسة عشرة؟ واليوم يراني الأنجاس وأراذل الخلق بلا حجاب أو جلباب؟.

وامعتصماه
“بكيت كما لم أبكِ من قبل، صرخت، كبّرت، ناديتُ المعتصم وصلاح الدين، قلت واربّاه، واغوثاه.. واإسلاماه وامعتصماااه! لم تجبني سوى جدران الزنزانة بصدى الصوت”، تقول: “بكيت ما يقارب الساعتين، صليت يومها بلا حجاب أو جلباب ودعوت الله أن يلقيَ عليّ النّوم حتى لا ينفطر قلبي من البكاء، فنمت حتى الفجر، ليدخل عدد من السجانين للعدد، وليعود البكاء وأنا أخبئ رأسي بين يديّ”.

ولما جاء الظهر، دخل سجانون ذكور لتفتيش الزنزانة؛ فانفجرت باكية مجددا، تقول المرابطة خويص: “حاولت إقناعهم بأنّ حجابي وجلبابي هما جزء منّي، وانتزاعهما كما انتزاع جلدي وسلخه، ولا تصح صلاتي بدونه، ولا يجوز أن يراني الرجال بدونه”.

تسرد التفاصيل بمرارة وحرقة: “يومها نقلوني من زنزانتي لأخرى، ولا أعلم السبب، ظننت أنّها أفضل حالاً، ولمّا صرت فيها، وجدتها مترين بمترين، ومياه المرحاض تسيل على أرضيتها، فقلت أتفقد الفراش، فرفعت “الفرشة” لأجد تحتها الصدأ والماء وصراصير ميتة، فقلت أتفقد المرحاض، فإذا به يمتلأ بالفضلات والأوساخ ومناديل ورقيه، فقلت أفتح مضخة المرحاض، حتى يبتلع ما فيه من القرف والنجس، يبدو أنه ابتلع، ولكن بقيت مضخة المرحاض مفتوحة طوال الليل، بصوت يصرع المتواجد في الزنزانة”.
كاميرات في الزنزانة

تضيف: “كامرتان ترصدان مكان النوم والمرحاض، وباب الحمام زجاجي شفاف منخفض يصف ما خلفه، والزنزانة مقابل غرفة السجانة، وكل داخل وخارج يتفقد من السجانين يتفقد الوافد الجديد في هذه الزنزانة القذرة، لم يكن حماما في زنزانة؛ بل زنزانة في حمّام”.

وهي المغلوبة على أمرها، المقهورة من حالها: تقول: “توضأت لأصلي العشاء، صليت بلا حجابي وجلبابي وبلا سجود لأنّ الأرض نجسة”.

تكمل، وفي اليوم التالي، عند الخامسة فجراً أعطوني حجابي وجلبابي لأخرج بهما إلى المحكمة، وصلتها منهكة من السفر والبكاء المتواصل ومن السهر الإجباري، بسبب صوت مياه المرحاض، فبدوتُ شاحبةً حزينة كئيبة على غير العادة.


خديجة خويص في المحكمة
في الصورة أعلاه ؛ كنت أبثّ للمحامي كيف انتزعوا حجابي وأجبروني على خلع جلبابي؛ وعن وضع الزنزانة الجديدة وقذارتها؛ وكيف أنّه للمرة الأولى في حياتي يراني الرجال بلا لباسي المستور، وأنّني صليت دون سجود ولا لباسٍ ساتر.

تنفست المرابطة خديجة خويص الصعداء، عندما نجح المحامي باستصدار أمرٍ من المحكمة بعدم انتزاعهما (الحجاب والجلباب) منّي وإعادتي لزنزانتي الأولى، تصف اللحظة: “ولمّا ترافع عنّي المحامي، ووصف لهم ما يحدث لي في السجن، وانتزاعهم حجابي وجلبابي، أصيب الحاضرون بالوجوم والقهر!!

ولكن حالة القهر لم تنته: “عدت من محكمتي ليعاودوا قهري وانتزاع جلدي مرة أخرى ووضعي في مسلخهم القذر، لكنّي قررت أن أنتزع حقّي ولو بأسناني، فقمت بالصراخ والتكبير لأربع ساعات، حتى جاؤوني بمدير السجن، وأطلعته على قرار المحكمة، فاضطر للالتزام به”.

لا عليك يا خديجة، فسميتك الأولى هي أول من صدقت محمد “صلى عليه وسلم” وذادت عنه، وأنت اليوم تستلهمين الماضي، وتدافعين عن مسرى نبيك، لا تلتفتي إلى المتقاعسين المتخاذلين، وامضي في رباطك.    

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات