الأحد 04/مايو/2025

المسار من الإخوان المسلمين الفلسطينيين إلى حماس

د.محسن محمد صالح *

نحاول في هذا المقال ومع مرور الذكرى التاسعة والعشرين لانطلاق حماس أن نتتبع الخلفيات التاريخية لظهورها من رحم الإخوان المسلمين الفلسطينيين. وهذا المقال هو مختصر لدراسة علمية موثقة لعلها تُنشر في المستقبل القريب.

التيار الإسلامي مقاومٌ منذ بداية الاحتلال:

لا يربط الإخوان المسلمون الفلسطينيون انطلاق عملهم المقاوم بانطلاقة حماس 1987، إذ يعدون أنفسهم امتداداً للتيار الإسلامي المقاوم الذي كان حاضراً وقوياً منذ نهاية الدولة العثمانية وبداية الاحتلال البريطاني لفلسطين أواخر سنة 1918. وذلك ابتداءً من جمعية الفدائية التي نشأت مع أوائل 1919، بقيادة محمد الدباغ ثم محمود عزيز الخالدي. وكانت تقف خلفها شخصيات من العلماء أمثال الحاج أمين الحسيني، والشيخ رشيد الخطيب، والشيخ حسن أبو السعود، والشيخ محمد يوسف العلمي الذي تصفه الوثائق البريطانية أنه ”نشيط جداً، وأنه قوى مُحركة خلف الأضواء في كل الجمعيات (بما فيها الفدائية)، وأنه أعظم خطر كامن وسط المحرِّضين في القدس“.

كما يَعدُّ الإسلاميون تنظيم ”الجهادية“ الذي أنشأه الشيخ الشهيد عز الدين القسام علامة بارزة في العمل الإسلامي الجهادي الثوري الفلسطيني. وهو التنظيم الذي أعلن الثورة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1935 (بعد عشر سنوات من الإعداد) واستشهد قائده القسام في معركة أحراش يعبد في 20/11/1935. ثم إنه التنظيم الذي أطلق شرارة الثورة الكبرى في فلسطين في 15/4/1936، والتي استمرت ثلاث سنوات، وكان له دور بارز في قيادة هذه الثورة خصوصاً في شمال فلسطين ووسطها.

أما حركة ”الجهاد المقدس“ التي نشأت سنة 1934 بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني، وبرعاية سرية من الحاج أمين الحسيني (مفتي فلسطين)؛ فقد تميزت بالقدرة على المزج الإيجابي بين البعدين الإسلامي والوطني في العمل الثوري الفلسطيني؛ وكان لها دور بارز في الثورة الفلسطينية الكبرى في مناطق القدس والخليل وجنوب فلسطين.

المشاركة في حرب 1948:

حركة حماس هي امتداد لجماعة الإخوان المسلمين التي نشأت في فلسطين منذ أوائل أربعينيات القرن العشرين. والتي وصلت فروعها إلى نحو 25 فرعاً قبيل حرب 1948. وقد شارك الإخوان الفلسطينيون بقوة في هذه الحرب، سواء ضمن تشكيلات جيش الجهاد المقدس، أم جيش الإنقاذ أم مع متطوعي الإخوان المسلمين الذين جاؤوا من مصر والأردن وسورية والعراق دفاعاً عن فلسطين… وكانت لهم أدوار مشهودة في يافا والقدس وغزة… وغيرها. فاكتسبوا شعبية كبيرة واحتراماً في أوساط الشعب الفلسطيني.

مبادرات العمل العسكري في الخمسينيات:

في قطاع غزة الذي وُضع تحت الإدارة المصرية بعد حرب 1948، أعاد الإخوان الفلسطينيون ترتيب أنفسهم، وانتشرت فروعهم في معظم مناطق القطاع، وتولى قيادتهم مكتب إداري برئاسة الشيخ عمر صوان، وتمكنوا من أن يكونوا التنظيم الأكثر شعبية ونشاطاً، إلى أن قام النظام المصري بضرب الإخوان المسلمين سنة 1954، مما ألجأهم للعمل السري.

وخلال الفترة 1952–1954 أنشأ إخوان غزة تنظيماً عسكرياً سرياً (تنظيم خاص)، اتصلت خيوطه بكامل الشريف (أحد أبرز قادة الإخوان المصريين في حرب 1948)، الذي كان مقيماً في منطقة العريش في سيناء. وكان هذا التنظيم في غزة وشمال القطاع بقيادة أبو جهاد خليل الوزير، وممن يساعده معاذ عابد وفوزي جبر ومحمد الخضري، ويقود خان يونس والمنطقة الوسطى أبو أسامة خيري الأغا (الذي سيصبح مراقباً عاماً للإخوان الفلسطينيين ثم أول رئيس لحركة حماس)، ويقود رفح ومنطقة الجنوب محمد يوسف النجار. أما صلة الوصل بين هؤلاء وكامل الشريف فكان محمد أبو سيدو، الذي كانت تسهل حركته لعمله سباكاً في الجيش المصري، وينتقل أسبوعياً للعمل في سيناء.

تمكن الإخوان في القطاع من تدريب نحو 250 من عناصرهم بأشكال مختلفة؛ غير أن نحو مائة منهم تلقوا تدريباً خاصاً في الكتيبة الفلسطينية التي كان يقودها الضابط الإخواني عبد المنعم عبد الرؤوف، والذي كان ضمن قيادة تنظيم الضباط الأحرار الذين قاموا بالانقلاب على الملك فاروق. غير أن هذا التنظيم لم يقم إلا بعمل عسكري محدود، قبل أن يقوم عبد الناصر بضرب جماعة الإخوان.

***

ومع تعرض الإخوان لحملة مطاردة شرسة وتشويه أسود من نظام عبد الناصر، اضطر الإخوان إلى الانكفاء على الذات. غير أن العديد من عناصرهم المتوثبة للعمل المقاوم سعت لإنشاء إطار وطني (ليس له هوية إسلامية فاقعة) حتى يتجنب مطاردة النظام المصري والأنظمة المعادية للإسلاميين. وقدم خليل الوزير مشروعاً بذلك لقيادة إخوان القطاع 1957، لكنه لم يلق تجاوباً منهم، بسبب الظروف الصعبة التي يعانون منها. فاجتهد خليل الوزير بالاشتراك مع ياسر عرفات (الذي كان مُقرباً من الإخوان) في إنشاء هذا الإطار الذي أصبح يعرف بحركة تحرير فلسطين (فتح). وانضم إليهم عدد من أنشط وأكفأ شباب الإخوان أمثال رياض الزعنون وسليم الزعنون ومحمد يوسف النجار وعبد الفتاح حمود ويوسف عميرة (الذي كان من شباب الإخوان الذين قاتلوا في الدفاع عن يافا في حرب 1948)، وكمال عدوان، ومعاذ عابد، وصلاح خلف، وسليمان حمد (الذي سيصبح أحد أبرز مؤسسي حماس لاحقاً)، ورفيق النتشة… وغيرهم. غير أن عدداً منهم رجع للإخوان، عندما أمرت قيادة الإخوان في غزة وقيادة فتح 1962–1963 عناصرها بالاختيار بين إحدى الجماعتين.

وفي الضفة الغربية، وبعد حرب 1948، وفي ضوء ضم الأردن للضفة سنة 1950، اندمج الإخوان في تنظيم واحد مع إخوانهم في شرق الأردن. ونشطت فروع الإخوان في معظم الضفة الغربية وخصوصاً القدس والخليل ونابلس وعقبة جبر. وحاول الإخوان تحت لافتة مؤتمر القدس الذي عقد 1953، أن يطوروا عملاً عسكرياً خاصاً فأحضروا كامل الشريف ليكون نائباً للأمين العام للمؤتمر، وليعمل تحت هذا الغطاء. غير أن الأمر لم يتجاوز تدريب مجموعة من العناصر…؛ إذ سرعان ما تم طرد الشريف من الأردن بأوامر من جلوب باشا رئيس أركان الجيش الأردني في ذلك الوقت؛ ثم عاد بعد طرده من الأردن، واقتصر النشاط على دعم الحرس الوطني للحدود، بالإضافة إلى الأنشطة السياسية والاجتماعية والدعوية المعتادة. وقد برز من إخوان الضفة الغربية الشيخ مشهور ضامن بركات، وراضي السلايمة، وحافظ عبد النبي النتشة، وشكري أبو رجب، وسعيد بلال، وتوفيق جرار…

كما أن الشيخ فضل عباس الذي جاء إلى لبنان حوالي 1953، وكان من شباب الإخوان من أبناء فلسطين، نظم مجموعات جهادية سرية، تمكنت من اختراق الحدود باتجاه شمال فلسطين المحتلة والاستطلاع في الفترة 1954-1956، لكن دورها لم يتطور إلى أكثر من ذلك.

غير أن الفترة 1957–1967 شهدت تراجعاً في عمل الإخوان وشعبيتهم مع ضغط النظام المصري، وفي ضوء الدعاية الشرسة المضادة وتصاعد التيارات القومية والناصرية واليسارية. وخسر الإخوان في القطاع قيادتهم التقليدية، كما خسروا عدداً من أفضل عناصرهم التي انتمت لحركة فتح؛ هذا بالإضافة إلى ذهاب الكثير من كوادرهم لبلدان الخليج طلباً للرزق.

تنظيم الإخوان الفلسطينيين:

أعاد الإخوان في قطاع غزة ترتيب أوضاعهم بشكل سري تحت قيادة شابة أبرز عناصرها عبد الله أبو عزة وعبد البديع صابر. أما هاني بسيسو الذي كان أحد أبرز شباب الإخوان ومحطّ إجماعهم، فقد ذهب للتدريس في العراق في منطقة الزبير منذ سنة 1953؛ غير أن إخوان القطاع كانوا يسلمونه القيادة، أو لا يقطعون أمراً دونه، عندما يعود صيفاً. وفي صيف سنة 1962 رتبوا اجتماعاً حضره 15 مندوباً في مواصي عيد الأغا في منطقة خان يونس؛ وقرروا إنشاء تنظيم ”الإخوان الفلسطينيين“، وانتخبوا هاني بسيسو رئيساً لهم (مراقباً عاماً). فترك بسيسو التدريس في العراق، واستقر في القاهرة تحت غطاء الدراسات العليا للتفرغ لقيادة التنظيم، وانتُخِب عبد البديع صابر نائباً له. وشمل تنظيم الإخوان الفلسطينيين قطاع غزة وبلدان الخليج وسورية، لكنه لم يشمل الأردن (بما فيها الضفة الغربية) حيث كان للإخوان تنظيمهم هناك.

وفي سنة 1965 قبض النظام المصري على هاني بسيسو ضمن حملته على الإخوان، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، غير أنه توفي رحمه الله في السجن مصاباً بالحمى الشوكية سنة 1968.

وتولى عبد البديع صابر (الذي استقر في قطر) قيادة الإخوان الفلسطينيين في غياب هاني بسيسو، وتم تثبيته رسمياً مراقباً عاماً في اجتماع مجلس شورى الإخوان الفلسطينيين 1969 في بيروت. غير أن عبد البديع استعفى من القيادة سنة 1970، فحلَّ مكانه نائبه عبد الله أبو عزة، إلا أن أبا عزة الذي تطورت لديه رؤى فكرية ناقدة لعمل الإخوان؛ ولفكر سيد قطب قدم استقالته سنة 1971؛ وقام مجلس الشورى بالموافقة على تنحيته بعد مساءلته. وحلَّ عمر أبو جبارة (الذي كان أيضاً مسؤولاً عن الإخوان الفلسطينيين في الكويت) مكان أبي عزة، ثم تم تثبيته بانتخابه مراقباً عاماً في مجلس الشورى الذي عقد سنة 1973، وانتخب خيري الأغا نائباً له، وانتخب معهم في اللجنة التنفيذية سليمان حمد ونادر الحاج عيسى وخليل حمد.

قدَّر الله أن يتوفى عمر أبو جبارة رحمه الله، في بداية صيف 1975، عندما وقع عن ظهر شاحنة صغيرة بينما كان يجهز للسفر للأردن؛ فتولى نائبه خيري الأغا قيادة الإخوان، أما سليمان حمد فحلَّ مكان أبي جبارة في قيادة الإخوان الفلسطينيين في الكويت. وفي اجتماع الشورى في السنة نفسها، تم انتخاب خيري الأغا مراقباً عاماً، وسليمان حمد نائباً له.

كان بين الأغا وحمد تناغم كبير خصوصاً في الاهتمام بالعمل الجهادي لفلسطين وفي الاهتمام في قطاع الشباب والطلاب؛ فقد كان الأغا أحد قادة التنظيم العسكري الخاص في القطاع (1952–1954)، وكان حمد أحد مؤسسي حركة فتح (والتي تركها لاحقاً). وقد توافق ذلك تماماً مع شخصية الشيخ أحمد ياسين الذي تولى قيادة الإخوان في قطاع غزة بعد الاحتلال الإسرائيلي للقطاع سنة 1967، خلفاً لإسماعيل الخالدي، وكان نائبه عبد الفتاح دخان.

توحيد تنظيمي الإخوان الفلسطينيين والأردنيين:

طُرحت في مجلس شورى الإخوان الفلسطينيين الذي انعقد سنة 1977 فكرة دمج التنظيمات الإخوانية في تنظيمات إقليمية حيث تتوحد مثلاً تنظيمات الإخوان في الأردن وسورية وفلسطين ولبنان في تنظيم بلاد الشام؛ وقِس عليها مصر والسودان، وشمال إفريقيا. وطرحت الفكرة على مجلس شورى الإخوان في الأردن بوجود خيري الأغا وسليمان حمد، فوافق المجلس بالإجماع. وخلال سنة 1978 تم حلُّ مجلسي شورى الإخوان في الأردن والإخوان الفلسطينيين؛ وتم انتخاب مجلس جديد؛ وقيادة جديدة برئاسة محمد عبد الرحمن خليفة، وانضمت تشكيلات الإخوان الفلسطينيين في غزة والكويت والسعودية وقطر والإمارات لهذا التنظيم الذي أطلق عليه بلاد الشام. وبالرغم من أن ظروفاً عملية وموضوعية حالت دون انضمام إخوان سورية ولبنان للتنظيم إلا أنه حافظ على اسمه.

انبثقت عن هذا التنظيم لجنة متخصصة تتابع الشأن الفلسطيني في الداخل، وخصوصاً في الضفة والقطاع. وكان من أبرز العاملين فيها قنديل شاكر وأبو بشير الزميلي، فضلاً عن متابعة أمين السر يوسف العظم لأعمالها.

صعود التيار الإسلامي والتأسيس للعمل المقاوم:

وفي الفترة 1968–1970 تبنى الإخوان في الأردن ومعهم عدد من التنظيمات الإخوانية فكرة إنشاء ”معسكرات الشيوخ“ شرقي الأردن للمشاركة في العمل الفدائي، بالتعاون مع حركة فتح وتحت مظلتها؛ وأقيمت سبع قواعد على الحدود م

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات