الإثنين 21/أكتوبر/2024

فأكون رجلا من أهلها…

د. ديمة طارق طهبوب

شديد الإيحاء و كثيف العبر هو حديث أبي ذر في فضل الشام فالراوي ابتداء ممدوح بشهادة نبوية ما نالها غيره إذ قال صل الله عليه و سلم “ما أقلت الغبراء و لا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر” و كأننا بالمصطفى يختار الناقل والوعاء لحديثه شخصا تمثله في سلوكه لتحيا به المعاني قبل المباني و يكون درسا حيا وحديثا في شكل بشر يمشي به على الأرض بين الناس. 

أما الحديث فهو “أَنَّ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ خِدْمَتِهِ آوَى إِلَى الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ لَيْلَةً فَوَجَدَ أَبَا ذَرٍّ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ و سَلَّمَ أَلا أَرَاكَ نَائِمًا قَالَ أَبُو ذَرٍّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَنَامُ هَلْ لِي مِنْ بَيْتٍ غَيْرُهُ فَجَلَسَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ و سَلَّمَ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهُ قَالَ إِذَنْ أَلْحَقَ بِالشَّامِ فَإِنَّ الشَّامَ أَرْضُ الْهِجْرَةِ وَأَرْضُ الْمَحْشَرِ وَأَرْضُ الْأَنْبِيَاءِ فَأَكُونُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهَا قَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنَ الشَّامِ قَالَ إِذَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ فَيَكُونَ هُوَ بَيْتِي وَمَنْزِلِي قَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهُ الثَّانِيَةَ قَالَ إِذَنْ آخُذَ سَيْفِي فَأُقَاتِلَ عَنِّي حَتَّى أَمُوتَ…”

إن الحديث يُحمل على معان كثيرة فبه استشراف و تربية و توجيه و لكن لا ينتفع به و لا يحمل عبئه و لا يستحق شرفه الا من تمثل شرط أبي ذر و هو “رجلا من أهلها”. لقد اختار أبو ذر هذه الصفة دون غيرها علما بمراميها و كأن الرجولة هناك منبعها ومصنعها فمستقبل الشام في صناعة الأحداث الفاصلة لا يحتمله الا رجل قوي الشكيمة وصبور النفس واضح الغاية لا يتأثر بإخراج أول ولا ثان ولا يحيد عن يقينه حتى يأتيه اليقين إما بالنصر أو الشهادة.

والدلالة أن الرجولة صفة مكتسبة أنه سبقها بفعل الكينونة، والمرء قد يكون أو لا يكون، وقد يربي ويحمل نفسه أن يكون وقد ينأى بنفسه عن ذلك، وكأن في المعنى فائدة أخرى أن الرجال فقط هم الذين يتعلقون بالقضايا العظيمة في تلك الأرض (الهجرة والمحشر ورسالة الأنبياء) 

وحتى فعل “فأكون” يوحي بالاستمرارية المستقبلية والتجدد وكأن لا نهاية لأفعال الرجولة وكأن لا ختام لدروسها وكأن سيأتي كل يوم رجل يضيف سطرا ومعنى جديدا في فعل الكينونة المستمر الذي لا يتوقف إلا بالموت، و صدق الحسن البصري اذ قال: “المؤمن ما المؤمن!! والله ما المؤمن بالذي يعمل شهرا أو شهرين، أو عاما أو عامين، لا والله ما جعل الله لمؤمن أجلا ..دون الموت”

ثم تأتي صلة وجدانية في لطيفة مخبأة أخرى، فبعد استحقاق شرف الرجولة وما يأتي معه من تكاليف تستحق جنسية ذلك المكان، ويستحق الإنسان فيه ذلك التوطين الرفيع فتصبح “من أهلها” فإن للبلاد والأراضي أهل تعرفهم ويعرفونها ورحم الأرض كبيرة والمنتسبون إليها أهل لهم برهم وصلتهم وحرمتهم، وليس بعيدا ذلك المثل الذي نتداوله فنقول “البلاد طلبت أهلها” وهذا الطلب هو ذلك الذي عبر عنه أحمد شوقي بقوله:

و للأوطان في دم كل حر 
يد سلفت ودين مستحق

هناك أماكن مخصوصة شرفها الله بالفضائل فاختار لها أهلا بمثل شرفها ومن كان يظن أن الرجولة في هذا المقام أمر سهل التحقيق وطريق قريب الوصول ودرب معبد باليسر فلينظر إلى وصف آخر لأولئك الرجال في الحديث المرفوع عن علي رضي الله عنه: “إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ يَقُولُ الْأَبْدَالُ يَكُونُونَ بِالشَّامِ وَ هُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلاًً يُسْقَى بِهِمْ الْغَيْثُ وَ يُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَيُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ بِهِمْ الْعَذَابُ” 

و إن صح العدد أو كان به ضعف فلقد علمتنا السياقات المتواترة من تاريخ البشرية والأديان أن الرجولة أمر عزيز و منزلة صعبة لا ينالها المرء بإدعاء ولا بولادة ولا تستقر إلا بعمل صادق مستمر، ولذا جاء الوصف متصلا في مكان آخر “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه” فالرجولة حالة صدق وجداني ووفاء بالعهود لرب العزة أولا.

المكان وأهله لا ينفكون يذكرون كل طامح إلى البعد وكل راكب لأجنحة الاغتراب أن لهذه الأرض جنسية لا تمنحها بلاد أخرى ومنافع لا يمتلكها مواطنون آخرون حول العالم: إنها جنسية الرجولة التي يرتفع سقفها وتزداد منافعها مع كل درس وكل تضحية يحترفها رجل جديد من أهلها فقط، فقط اثبت فيها أو في أكنافها مهما أخرجوك وأخرجوك ومهما كانت الأسباب فعندما تضيق أسباب الأرض تنفتح أسباب السماء وأنعم بها من أسباب تأييد وعطاء لا محدود، أبو ذر يقول لنا في الشام البيت والمنزل وهو ربيب الحرمين خير الأماكن، غير أن مستقبل منزل الرجال في الشام، و في الشام فقط!

إذن، هل نعلق آمالا كبيرة على الرجولة أم نحمل الرجال فوق طاقتهم، أم أن الأمر جليل فعلا؟! 

خيار الرسول لأبي ذر وفهم أبي ذر لدرس الرسول يحدد الصفات والمكان وكيفية التحقق والتحقيق لمن أراد الاعتبار من الرجال.

فأمعن النظر إن كنت تملك من صفات الرجولة، واحذر ما يقدح في رجولتك وينتقص منها فبعض الرجال في الموازين يعدلون قدر الانتصار.  

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات

القسام تبث مشاهد قنص واستهداف ناقلة جند

القسام تبث مشاهد قنص واستهداف ناقلة جند

غزة – المركز الفلسطيني للإعلام بثت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة "حماس"، مساء اليوم الاثنين، مشاهد من استهداف ناقلة جند إسرائيلية وقنص جندي في...