احتكار قرار الحرب والسلم لا يكون إلا لدولة

خطاب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) حول أحقية قيادة فلسطينية مشتركة في امتلاك قرار الحرب والسلم قد يبدو ظاهرياً أنه يحمل بعض أوجه الصحة، لكن عند تفكيكه، والتدقيق فيما جاء فيه، ورؤية أبو مازن للتسوية، يظهر ضعف بنيان المقولة، ومخاطر مراميها.
فبداية إن مقولة احتكار الدولة لوسائل العنف، التي تعود إلى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، والتي غدت من سمات الدولة الحديثة، لا تنطبق أبداً على الحالة الفلسطينية، ولا يمكن مقارنتها بما يجري في الضفة وغزة، وعلى أرض فلسطين عموماً. فما زال تعريف الكيان القائم في غزة، وعلى قسم من الضفة، بالسلطة الفلسطينية، وهي منبثقة من اتفاق ثنائي، بغطاء دولي، ولم تحظ حتى الآن بصفة دولة، وإن كان هناك اعتراف بفلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة، لا يتمتع بصفة دولة كاملة العضوية.
فمهما حاول كيان السلطة الفلسطينية أن يستخدم مصطلحات تتوافق مع سمات الدولة مثل: دخل قومي، وانتخابات، وشرطة، وبلديات وغيرها، إلا أن التوصيف القانوني للضفة وغزة (مع بعض التباينات أحياناً فيما يخص الأخيرة)، ما زال يعتبرهما أراضي تحت الاحتلال. ولا يمكن ممارسة صلاحيات الدولة، والسلطة لا تملك حدوداً جغرافية نهائية معترفاً بها حتى الآن، ومعظم ميزانيتها تأتي من المساعدات الخارجية، ومن الضرائب التي تحصّلها (إسرائيل) من الفلسطينيين وتدفعها لخزينة السلطة وفق اتفاقية باريس، إضافة إلى سيطرة الاحتلال على المنافذ، والتحكم بحركة الفلسطينيين، والاجتياحات المتكررة المترافقة مع الاعتقالات، والاغتيالات، واحتلال المستوطنات لأكثر من 40 بالمائة من مساحة الضفة، ومحاصرة غزة، كل ذلك يُسقط تماماً صفة الدولة عن كيان السلطة، ويضع حتى تسمية السلطة موضع شك.
ولا يمكن ممارسة صلاحيات الدولة دون امتلاك مقوماتها، وهو ما حاوله من قبل رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض، وبديهي القول إنه فشل. إن السلطة تحتكر العنف بعد قيام الدولة، وليس قبل ذلك، وعند قيام جيش موحد، كما حصل مثلاً في الكيان الصهيوني بعد إعلان قيامه، ثم إغراق السفينة (التالينا) المحملة بالأسلحة والتي أحضرتها منظمة (إيتسل) الصهيونية.
الأمر الآخر، إن من يطالب بالمشاركة بقرار الحرب والسلم، ويصر على عدم قبوله “إلا بسلطة واحدة، وبندقية واحدة، وقرار السلم والحرب بيد السلطة وإلا ستكون فوضى”، عليه أن يؤمن أولاً بجدوى خيار الحرب، وفائدة تُرجى من استخدام البندقية، لا أن ينطلق من الحديث عن “الصواريخ العبثية”، ويتبعها بتكرار التأكيد على أنه “لن نقبل بأي عودة للعنف”، ثم يزيد بأن “شعبنا لن يعود الى الارهاب والعنف، ولن نسمح بانتفاضة ثالثة”، و”لن أسمح بانتفاضة فلسطينية ثالثة طالما بقيت في السلطة”، فكيف يمكن أن يُعطى من لا يؤمن بالعنف كوسيلة لاسترداد الأرض، الحقَّ بالمشاركة بقرار استخدامه، وهو في الأصل لم يملك الجرأة حتى على رفع دعاوى على الاحتلال في المحاكم الدولية بسبب ارتكابه الجرائم في العدوان الأخير على غزة؟
إن نبذ أبو مازن للعنف، وإيمانه بالتسوية، هو أصيل في شخصيته، وليس تفكير عارض، حتى نؤمن بإمكانية تغييره، فمنذ أطلق نبيل شعث مبادرته لدولة ديمقراطية تضم الجميع عام 1968، آمن أبو مازن بها (هذا ما يقوله في كتابه “الطريق إلى أوسلو”). وبعدما تسلم التعبئة والتنظيم في حركة فتح عام 1970، فتح حواراً مع قوى إسرائيلية، يسارية في أغلبها، ليخطب عام 1977 خطاباً مطولاً في المجلس الوطني الفلسطيني مدافعاً عن خياراته التسووية. وكان أول رئيس وزراء للسلطة عام 2003، وبضغط دولي واضح ومعلن، من أجل هذه الخيارات.
يشدد أبو مازن دوماً على أنه سينتهج “الوسائل السلمية والطرق الدبلوماسيّة”، رغم أن خيار التسوية فشل، مما يدفع أبو مازن منذ عام 2009، للتهديد: “لديّ خطوات أخرى سأعلنها في وقت لاحق”، ثم يتراجع نتيجة الضغط الأمريكي والدولي. وهذه مشكلة كل التسوويين في المنطقة، أنهم يتراجعون نتيجة الضغوط الدولية، والأمريكية خصوصاً، ولا يؤمنون بالإرادة الشعبية.
يكاد ينطبق عليهم ما وصف به المفتي الحاج أمين الحسيني رئيسَ الوزراء العراقي نوري السعيد بأنه “كان خطأ سياسته أنها تعتمد على الربح السياسي الذي تقدمه فرص الخلافات بين الدول العظمى دون أن يعطي الدور الأول للشعب”. وهذا خطأ أبو مازن أيضاً، حيث إنه من الزعماء القلائل الذين تندر لقاءاته الشعبية، ويرى في لقاءاته الرسمية الدولية الثمرة الوحيدة التي يمكن أن يجنيها.
نعم إن الفلسطينيين بحاجة إلى تشكيل جبهة مقاومة، فطنة سياسياً، لديها من الحنكة والقراءة ما يؤهلها لرؤية الواقع السياسي، ونسج تحالفات عريضة، والاستفادة من أي تناقض دولي، ودراسة المعطيات التي على أساسها تقرر الأسلوب الأمثل للمواجهة، والخيارات مفتوحة من التحرّش وفق سياسة جورج واشنطن، إلى المواجهة المحدودة أو الحرب الشاملة، لكن لن يكون أبداً ضمن الخيارات نبذ العنف والتسليم بخيار التسوية كخيار نهائي وفق رؤية أبو مازن.
الرابط المختصر:
أخبار ذات صلة
مختارات

حماس: قرار برلمان بروكسل تمكين للعدالة الدولية
غزة - المركز الفلسطيني للإعلام أشادت حركة حماس بقرار برلمان بروكسل مطالب الحكومة الفيدرالية بتنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية...

القسام يشتبك مع قوة صهيونية ويجهز على سائق آلية عسكرية شرقي غزة
غزة - المركز الفلسطيني للإعلام أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، اليوم الثلاثاء، الاشتباك مع قوة هندسة صهيونية، والإجهاز على سائق آلية...

470 ألف فلسطيني بغزة قد يواجهون جوعاً كارثياً من المرحلة الخامسة حتى سبتمبر
غزة - المركز الفلسطيني للإعلام رجح تقرير التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي إن يواجه 470 ألف شخص في قطاع غزة، جوعاً كارثياً (المرحلة الخامسة...

شهيد بقصف مسيّرة إسرائيليّة دراجة نارية في جنوب لبنان
بيروت - المركز الفلسطيني للإعلام استشهد شخص، اليوم الثلاثاء، إثر قصف من مسيّرة إسرائيليّة على بلدة حولا جنوبيّ لبنان، في استمرار للخروقات...

الصحة تعلن ارتفاع عدد ضحايا الإبادة بغزة إلى 52908 شهداء
غزة - المركز الفلسطيني للإعلام أعلنت وزارة الصحة في غزة، اليوم الثلاثاء، ارتفاع حصيلة العدوان الإسرائيلي إلى 52908 شهداء و119721 مصابا منذ 7 أكتوبر/...

أمن السلطة يقتل الشاب رامي زهران في مخيم الفارعة
طوباس - المركز الفلسطيني للإعلام قتلت عناصر أمن السلطة، الشاب رامي زهران بإطلاق نار مباشر -اليوم الثلاثاء- في مخيم الفارعة شمال الضفة الغربية....

الأمم المتحدة: عدد الوجبات اليومية المقدمة في غزة تراجع بنسبة 70%
نيويورك - المركز الفلسطيني للإعلام قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، إن عدد الوجبات اليومية المقدمة للفلسطينيين في قطاع غزة انخفض هذا...