الأحد 11/مايو/2025

آخر فضاءات الاستيطان

آخر فضاءات الاستيطان

كل مؤشرات التفاوض الإسرائيلي الفلسطيني ومعطياته، وآخرها فشل لقاءات يناير الماضي الاستكشافية في عمّان، تؤكد أن “إسرائيل” تقارب قضية التوسع الاستيطاني كمسألة كسر عظم.. وأن من يتطلع إلى مرونة إسرائيلية في التعامل مع هذه القضية، إنما سينتظر طويلاً وبلا أفق زمني معلوم.
بعكوفهم على التوسع الاستيطاني، يقنع الإسرائيليون أنفسهم بأن مشروعهم الصهيوني الأم ما زال حياً يسعى. لا شيء يوحي إلى حراس هذا المشروع وكيانه السياسي، بأنهم ما زالوا أمناء على ثوابتهم وروايتهم مثلما تفعل الأنشطة
الاستيطان الزاحف على الأرض الفلسطينية، أكثر قدرة من أي خطاب نظري على استقطاب قوى اجتماعية إسرائيلية، تجنح بوتيرة سريعة ومتصاعدة نحو النفعية المادية والتطرف والهوس الديني، وهو في الوقت ذاته الأنسب لتعزيز جهود المؤسسات الصهيونية في استحثاث يهود العالم على الهجرة إلى “إسرائيل”.
الاستيطان بهذا المعنى الأخير، ينطوي على وعود للراغبين في الهجرة، بأن ثمة فرصاً اقتصادية وعمرانية إسكانية تنتظرهم. ويبدو تأثير هذا الخطاب فارقاً وحاسماً، إذا ما وجه إلى جماعات يهودية تعاني من ظروف حياتية ضاغطة، ولا سيما في آسيا وإفريقيا، تتحرق إلى ما ينتشلها نحو آفاق تحسبها أكثر إشراقاً.
القصد، أن جرافات الصهيونية ومعاولها تدك أرض الفلسطينيين، وهي تتعشم أن تدغدغ أصواتها الشرهة وأصداؤها الأيديولوجية والسياسية، أسماع وعواطف قطاعات الباحثين عن الرفاه الاقتصادي الرخيص، والمتطرفين والمتعطشين إلى تحقيق الرواية التوراتية في الداخل، فضلًا عن المخدوعين بالوعود الروحية والمادية لهذه الرواية، في أوساط اليهودية العالمية في الخارج.
نفهم تماماً أن السعار الاستيطاني للاستيلاء على أوسع مساحة من الأرض؛ عليها أقل قدر من السكان الفلسطينيين (الأصليين)، مثل الجوهر التقليدي للمشروع الصهيوني.. لكن ما يستحق الانتباه أكثر في إطار هذا الفهم، هو أن الضفة الفلسطينية؛ القدس ورحابها بالذات، باتت الميدان الوحيد تقريباً المتبقي لإشباع هذا الشره. ففي الثلاثين عاماً الماضية راحت الأبواب توصد واحداً تلو الآخر، في وجه نزعة إسرائيل للتوسع الاستيطاني في ما جاورها من أراض.
فبين عامي 1979 و1994، غلقت أبواب سيناء وشرق الأردن، وتم تشميعها بمعاهدتي السلام مع مصر والمملكة الهاشمية. وفي العام 2000 أجبرت إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان بلا قيد أو شرط، واضطر كبار المسؤولين الإسرائيليين إلى التصريح بأنه لا أطماع لهم في تلك المنطقة الملتهبة. وبعد خمسة أعوام أخرى غادرت إسرائيل قطاع غزة وأجلت معها مستوطنيها، وسواء جاءت تلك الخطوة عن إكراه تحت ضغوط المقاومة الفلسطينية أم تطبيقاً لهدف خبيث آخر، فقد كانت غير مسبوقة لجهة الاعتراف بأن جزءاً من فلسطين التاريخية لا يخص المشروع الصهيوني.
والحال كذلك، لم يبق من بطن رخو أو فضاء جغرافي شبه مفتوح أمام خطاب ديمومة البعد التوسعي الصهيوني الإسرائيلي الموجه إلى الداخل والخارج، سوى أرض الضفة، وخاصة ما ظل منها خاضعاً للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، عسكرياً ومدنياً. ولنا أن نلاحظ هنا أن الجولان السوري، الذي ما زال محتلًا، لا يعدل الضفة لجهة الإغراء بالاستيطان الواعد واليسير على الصعيدين المادي والروحي.
وفي تقديرنا أن “إسرائيل” ترى تجميد الاستيطان في الضفة، ناهيك عن كنسه تماماً والانكماش نحو الغرب، بمثابة شهادة أخيرة على توقف المشروع الصهيوني برمته، وتقييده بالحدود التي بلغها في العام 1948.
وبناءً على هذا التصور، نعتقد أن لحظة إقلاع السلام الفلسطيني مع إسرائيل، هي اللحظة التي تقر فيها هذه الأخيرة بوقف الاستيطان في الضفة عامة، كاحتمال صعب، أو تقر بالتراجع إلى حدود 1967 وإيداع ما وراءها شرقاً بالكامل للدولة الفلسطينية، وهو احتمال يكاد يبلغ حد المستحيل.
لا تريد “إسرائيل” أن تخرج من نتائج حرب 1967 خالية الوفاض من مكتسبات إقليمية تقضمها من أرض فلسطين. وإذا كان انتعاش الوطنية الفلسطينية غداة تلك الحرب، سوف ينتهي حتماً بدولة فلسطينية، فإن “إسرائيل” لا ترى مستقبلًا لنتيجة مؤلمة لها كهذه، من دون الخضوع لرؤيتها وقرارها.
سؤال الحالة الفلسطينية ومؤيدوها، والحال كذلك، ينبغي أن يكون حول أنماط الاشتباك؛ بالتفاوض أو بالمقاومة أو بكليهما معاً، التي تجعل من الصعب والمستحيل ممكناً، لدى النخب الإسرائيلية الحاكمة وظهيرها الصهيوني والمتصهين في عوالم الآخرين.
[email protected]
صحيفة البيان الإماراتية

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات

نتنياهو: سنضم 30% من الضفة الغربية

نتنياهو: سنضم 30% من الضفة الغربية

رام الله – المركز الفلسطيني للإعلام قال رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن تل أبيب "ستكون قادرة على ضمّ 30%" من الضفة الغربية....