السبت 10/مايو/2025

الفلتان.. الوجه الآخر للاحتلال

أ.د. محمد اسحق الريفي

ظاهرة الفلتان الأمني، التي تتفشى في مجتمعنا الفلسطيني وتهدد أمنه واستقراره، ترجع أسبابها ونشأتها إلى الاحتلال الصهيوني الذي حرص منذ البداية على زرع بذور الفوضى والفساد في مجتمعنا، ولا يزال الاحتلال يتعهد هذه الظاهرة الخطيرة بالرعاية والدعم، حتى أصبحت سلاحاً بيده يشهره في وجه شعبنا الفلسطيني كلما سارت الأمور عكس الأطماع والمخططات الصهيونية والأمريكية.

وتتجسد هذه الظاهرة الخطيرة في حالة الفوضى العامة المتمثلة في الإخلال بالأمن والنظام العام، والاستخفاف بالقانون والتطاول عليه، وتجاوز القضاء وتعطيله. وهي حالة توفر للعابثين بيئة خصبة لإطلاق أيدهم الآثمة في الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وارتكاب الجرائم ضد المواطنين، وهدر كرامتهم وانتهاك حقوقهم وحرمانهم من العيش في أمن وسلام.

وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تحويل مجتمعنا الفلسطيني إلى بؤرة للجريمة والفساد تشكل خطراً فادحاً على كل جوانب الحياة في مجتمعنا، وعلى رأسها التعليم والصحة والاقتصاد، كما أن تفشي هذه الظاهرة وتفاقمها يهدد بإشعال الفتن والصراعات الداخلية التي تمزق نسيجنا الاجتماعي، وتؤدي إلى تقويض مقومات صمودنا في وجه الاحتلال وهمجيته.

كما أن هذه الحالة لها آثار كارثية عديدة على المجتمع الفلسطيني ويمكن أن تتطور إلى حرب أهلية في أي لحظة، بالإضافة إلى أنها تعطي صورة سيئة عن شعبنا الفلسطيني المجاهد والمصابر. والأخطر من ذلك أنها تبرر للعالم إهمال قضيتنا الفلسطينية ونفض اليد العربية والإسلامية الشعبية من هذه القضية، بل إنها تبرر للنظام العربي الرسمي الانزلاق في مستنقع التفريط بحقوقنا والتنازل عن ثوابتنا والتطبيع مع كيان الاحتلال الصهيوني.

وقد حرص الاحتلال منذ بدايته على تشجيع هذه الظاهرة في مجتمعنا، وتسمين الساقطين أخلاقياً واستدراجهم إلى مستنقع العمالة، ودعمهم ورعايتهم بكل السبل، وتوفير كل ما يلزم لعبثهم وفسادهم من إمكانيات، ليمارسوا الفوضى والفلتان، وليصبح شغلهم الشاغل هو استفزاز المواطنين بشكل متواصل، ودفعهم إلى الهجرة من البلاد، وجرهم إلى الفوضى والعصبية العائلية والثأر والانتقام.

وقد تصاعد دعم الاحتلال الصهيوني والإدارة الأمريكية – كماً ونوعاً – لجماعات الفلتان الموجه والمنظم منذ أن عبر الشعب الفلسطيني عن خياره، وانتخب بكامل حريته من يحمل همومه ويعبر عن طموحاته وتطلعاته، ويمثل إرادته وخياره، حيث نالت حركة حماس ثقة معظم أبناء الشعب الفلسطيني ونجحت في الوصول إلى الحكم والسلطة، حاملة برامجها للإصلاح والقضاء على الفساد وتعزيز صمود شعبنا ومقاومته للاحتلال.

ويأتي دعم الاحتلال والإدراة الأمريكية – سياسياً ومالياً ومعنوياً وعسكرياً – لهذه الظاهرة في إطار التوظيف السياسي لحالة الفوضى والفلتان التي يعيشها شعبنا، وذلك في ظل الحصار الدولي الظالم والممارسات الإجرامية للاحتلال ضد شعبنا، لإنهاك شعبنا والزج به في أتون حرب أهلية، وحرف مسيرة جهاده.

ولذلك فلا أمل لشعبنا المجاهد في الإصلاح والتغيير، والانعتاق الأبدي من ربقة الاحتلال، والتحرر من رجسه وأغلاله، دون اجتثاث الفلتان من جذوره ومحاسبة القائمين عليه والممارسين له، ومعاقة كل من تسول له التطاول على النظام والقانون ويعرض أمن المواطنين وسلامتهم للخطر.

لقد أصبح الارتباط العضوي بين الفلتان من جهة وبين الاحتلال والأجندة الأمريكية في المنطقة من جهة أخرى واضحاً، فدعم ظاهرة الفوضى والفلتان هو نهج الاحتلال والأمريكان لسياسة “فرق تسد” ضد شعبنا الفلسطيني.

لهذا يجب أن يكون القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة، ومحاسبة جماعات الفلتان الموجه والمسيس، أولية كبرى ومسؤولية وطنية – شعبية وحكومية – تشترك فيها كافة شرائح شعبنا ومكوناته ومؤسساته، فقد أصبح الفلتان يشكل أكبر التحديات التي تواجه مسيرة جهاد شعبنا وسعيه، لتحرير أرضه ونيل حقوقه، وتهدد بسحق إنجازاته وإضاعة تضحياته وإحباط طموحاته وتطلعاته، بالإضافة إلى ما تسببه هذه الظاهرة الخطيرة من تفاقم المعاناة المريرة التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني وتصاعد مشاكله وزيادة مآسيه.

لقد آن للشعب الفلسطيني أن يقدم للعالم نموذجاً راقياً، وصورة حضارية مشرقة لجهاده وصبره وثباته وتضحياته، تنسجم مع ما أبداه من قوة إرادة وقدرة على المثابرة ومواصلة مسيرته جهاده، وذلك من خلال إنهاء هذه الظاهرة الخطيرة التي هي الوجه الآخر للاحتلال.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات