الأحد 14/يوليو/2024

إبادة جماعية تم التنبّؤ بوقوعها

كريس هيدجيز

الإبادة الجماعية في غزة هي المرحلة النهائية من عملية بدأتها إسرائيل قبل عقود. أي شخص لم يتوقع أن هذا قادمٌ فقد أعمى بصرَه عن طبيعة دولة الفصل العنصري وأهدافها النهائية.

لكن من الأسهل التظاهر: التظاهر بأن إسرائيل ستسمح بدخول المساعدات الإنسانية، وأنه سيكون هناك وقف لإطلاق النار، وأن الفلسطينيين سيعودون إلى منازلهم المدمرة في غزة، والتظاهر بإعادة بناء غزة، وأن السلطة الفلسطينية ستدير غزة، وأنه سيكون هناك حلُّ الدولتين، والتظاهر بعدم وجود إبادة جماعية.

لا توجد مفاجآت في غزة. لقد تم التنبّؤ بكل عمل مروع من أعمال الإبادة الجماعية الإسرائيلية مقدمًا منذ عقود. إن تجريد الفلسطينيين من أراضيهم هو القلب النابض للمشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي. كان لهذا التجريد لحظات تاريخية دراماتيكية – 1948 و1967 – عندما تم الاستيلاء على أجزاء واسعة من فلسطين التاريخية، وتم ممارسة التطهير ضد مئات الآلاف من الفلسطينيين عرقيًا. كما حدث نزع الملكية وسرقة الأراضي ببطء، وكذلك التطهير العرقي المستمر في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية.

أعطى التوغل في 7 أكتوبر/تشرين الأول في إسرائيل من قبل حماس، وجماعات المقاومة الأخرى – والذي أسفر عن مقتل 1154 شخصًا في إسرائيل، وشهد أسْر حوالي 240 شخصًا كرهائن – إسرائيلَ ذريعة لما كانت تتوق إليه منذ فترة طويلة: المحو الكامل للفلسطينيين.

دمرت إسرائيل 77 في المائة من مرافق الرعاية الصحية في غزة، و68 في المائة من البنية التحتية للاتصالات، وجميع المباني البلدية والحكومية تقريبًا، والمراكز التجارية والصناعية والزراعية، وما يقرب من نصف جميع الطرق، وأكثر من 60 في المائة من 439000 منزل في غزة، و68 في المائة من المباني السكنية، وتم قصف برج التاج في مدينة غزة في 25 أكتوبر/تشرين الأول، مما أسفر عن مقتل 101 شخص، من بينهم 44 طفلًا، و37 امرأة، وإصابة المئات، كما جرى تدمير مخيمات اللاجئين.

أسفر الهجوم على مخيم جباليا للاجئين في 25 أكتوبر/تشرين الأول عن مقتل ما لا يقل عن 126 مدنيًا، من بينهم 69 طفلًا، وإصابة 280. كما ألحقت إسرائيل أضرارًا أو دمرت جامعات غزة، وكلها مغلقة الآن، و60 في المائة من المرافق التعليمية الأخرى، بما في ذلك 13 مكتبة. كما دمرت ما لا يقل عن 195 موقعًا تراثيًا، بما في ذلك 208 مساجد وكنائس ومحفوظات غزة المركزية، التي تحتوي على 150 عامًا من السجلات والوثائق التاريخية.

الطائرات الحربية الإسرائيلية والصواريخ والطائرات بدون طيار والدبابات وقذائف المدفعية والمدافع البحرية الإسرائيلية تسحق غزة يوميًا – التي يبلغ طولها 20 ميلًا فقط وعرضها خمسة أميال – في حملة الأرض المحروقة التي لا مثيل لها منذ الحرب في فيتنام. لقد أسقطت 25000 طن من المتفجرات – أي ما يعادل قنبلتين نوويتين – على غزة، والعديد من الأهداف التي اختارها الذكاء الاصطناعي.

يسقط الجيش الإسرائيلي ذخائر غير موجهة “قنابل غبية” وقنابل مضادة للتحصينات بوزن 2000 رطل على مخيمات اللاجئين والمراكز الحضرية المكتظة، وكذلك ما يسمى “المناطق الآمنة”، 42 في المائة من الفلسطينيين الذين قتلوا كانوا في هذه “المناطق الآمنة”، حيث أمرتهم إسرائيل بالفرار. نزح أكثر من 1.7 مليون فلسطيني من منازلهم، وأجبروا على إيجاد مأوى في ملاجئ الأونروا المكتظة وممرات المستشفيات والساحات والمدارس والخيام، أو الهواء الطلق في جنوب غزة، وغالبًا ما يعيشون بجوار برك نتنة من مياه الصرف الصحي.

قتلت إسرائيل ما لا يقل عن 35 ألف فلسطيني في غزة، بما في ذلك 13000 طفل، و9000 امرأة. هذا يعني أن إسرائيل تذبح ما يصل إلى 187 شخصًا يوميًا، بمن في ذلك 75 طفلًا. لقد قُتل 140 صحفيًا، استُهدف العديد منهم، إن لم يكن معظمهم، عمدًا. قتل 340 طبيبًا وممرضًا وغيرهم من العاملين الصحيين – أربعة في المائة من موظفي الرعاية الصحية في غزة. لا تعكس هذه الأرقام عدد الوفيات الفعلي، حيث يتم احتساب القتلى المسجلين في المشارح والمستشفيات فقط، التي لم يعد معظمها يعمل. يبلغ عدد القتلى، عندما يتم حصر المفقودين، أكثر من 40000.

يضطر الأطباء إلى بتر الأطراف دون مخدر. أولئك الذين يعانون من حالات طبية شديدة – السرطان والسكري وأمراض القلب وأمراض الكلى – ماتوا بسبب نقص العلاج أو سيموتون قريبًا. تلد أكثر من مائة امرأة كل يوم، مع القليل من الرعاية الطبية أو بدونها. ارتفعت حالات الإجهاض بنسبة 300 في المائة. يعاني أكثر من 90 في المائة من الفلسطينيين في غزة من انعدام الأمن الغذائي الشديد، حيث يأكل الناس علف الحيوانات والعشب. الأطفال يموتون من الجوع. تم تعقّبُ الكتّاب والأكاديميين والعلماء وأفراد أسرهم واغتيالهم. أصيب أكثر من 75000 فلسطيني، وسيصاب الكثير منهم بالشلل مدى الحياة.

كتبت فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، في تقريرها الصادر في 25 مارس/ آذار: “كان سبعون في المائة من الوفيات المسجلة من النساء والأطفال”. “فشلت إسرائيل في إثبات أن الـ 30 في المائة المتبقين، أي الذكور البالغين، كانوا مقاتلين نشطين في حماس – وهو شرط ضروري لاستهدافهم بشكل قانوني”. بحلول أوائل ديسمبر/كانون الأول، ادعى مستشارو الأمن الإسرائيليون مقتل “7000 مقاوم” في مرحلة من الحملة، عندما تم تحديد أقل من 5000 ذكر بالغ في المجموع من بين الضحايا، مما يعني أن جميع الذكور البالغين الذين قتلوا كانوا “مقاومين”.

تستخدم إسرائيل الحيل اللغوية لحرمان أي شخص في غزة من وضع المدنيين وأي مبنى – بما في ذلك المساجد والمستشفيات والمدارس – موضعَ الحماية. يتم وصف جميع الفلسطينيين بأنهم مسؤولون عن الهجوم الذي وقع في 7 أكتوبر/ تشرين الأول، أو بأنهم دروع بشرية لحماس. تعتبر جميع المباني أهدافًا مشروعة من قبل إسرائيل؛ لأنها تزعم أنها مراكز قيادة حماس، أو يقال إنها تُؤوي مقاتلي حماس.

هذه الاتهامات – تقول ألبانيز – هي “ذريعة” تستخدم لتبرير “قتل المدنيين تحت عباءة من الشرعية المزعومة، التي يدل التذرع بها على نية الإبادة الجماعية”.

من حيث الحجم، لم نشهد هجومًا على الفلسطينيين بهذا القدر، ولكن كل هذه التدابير – قتل المدنيين، ونزع ملكية الأراضي، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والإخفاء، والإغلاق المفروض على المدن والقرى الفلسطينية، وهدم المنازل، وإلغاء تصاريح الإقامة، والترحيل، وتدمير البنية التحتية التي تحافظ على المجتمع المدني، والاحتلال العسكري، واللغة اللاإنسانية، وسرقة الموارد الطبيعية، وخاصة طبقات المياه الجوفية – حددت منذ فترة طويلة حملة إسرائيل للقضاء على الفلسطينيين.

لن يكون الاحتلال والإبادة الجماعية ممكنَين بدون الولايات المتحدة التي تمنح إسرائيل 3.8 مليارات دولار من المساعدات العسكرية السنوية، وترسل الآن 2.5 مليار دولار أخرى في شكل قنابل، بما في ذلك 1800 قنبلة MK84 2000 رطل، و500 قنبلة MK82 500 رطل، وطائرات مقاتلة إلى إسرائيل. هذه أيضًا إبادة جماعية نحن – الأميركيين – ضالعون فيها.

الإبادة الجماعية في غزة هي تتويج لعملية، فهي ليست فعلًا منفصلًا. الإبادة الجماعية هي الخاتمة التي يمكن التنبؤ بها للمشروع الاستعماري للمستوطنين الإسرائيليين. يتم سبره داخل الحمض النووي لهوية دولة الفصل العنصري الإسرائيلية. هذا هو المكان الذي كان على إسرائيل أن تنتهي فيه.

القادة الصهاينة منفتحون بشأن أهدافهم
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، أن غزة لن تتلقى ” كهرباء أو طعامًا أو ماء أو وقودًا”. قال وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس: “المساعدات الإنسانية لغزة؟.. لن يتم تشغيل أي مولد كهربائي، ولن يتم فتح أي صنبور للمياه”.

أشار آفي ديختر، وزير الزراعة، إلى الهجوم العسكري الإسرائيلي باسم “نكبة غزة”، في إشارة إلى النكبة، أو “الكارثة”، التي طردت بين عامي 1947 و1949، 750000 فلسطيني من أرضهم، وشهدت ذبح الآلاف على يد العصابات الصهيونية. نشرت عضوة الليكود في الكنيست الإسرائيلي تالي غوتليب على حسابها على وسائل التواصل الاجتماعي: “أسقط المباني!! دمر بلا تمييز!! .. تسطيح غزة. بدون رحمة! هذه المرة، لا يوجد مكان للرحمة!”. أيد وزير التراث عميحاي إلياهو استخدام الأسلحة النووية في غزة باعتبارها “أحد الخيارات”.

الرسالة من القيادة الإسرائيلية لا لبس فيها: إبادة الفلسطينيين.

لا يمكننا التذرع بالجهل. نحن نعرف ما حدث للفلسطينيين، ونعرف ما يحدث لهم حاليًا، وما سيحدث لهم مستقبلًا.

تقول الإبادة الجماعية، التي تمولها الولايات المتحدة وتدعمها بشحنات الأسلحة، شيئًا ليس فقط عن إسرائيل، ولكن عنا، وعن الحضارة الغربية، وعمن نحن كشعب، ومن أين جئنا وما الذي يحددنا. تقول إن كل قيمنا التي نتغنى بها واحترامنا لحقوق الإنسان كذبة. تقول إن الأشخاص الملونين، خاصة عندما يكونون فقراء وضعفاء، لا يحسبون. تقول إن آمالهم وأحلامهم وكرامتهم وتطلعاتهم إلى الحرية لا قيمة لها. تقول إننا سنضمن الهيمنة العالمية من خلال العنف العنصري.

هذه الكذبة – أن الحضارة الغربية تستند إلى “قيم” مثل احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون – انكشفت مع الفلسطينيين ولم يعد أحد يصدقها في الجنوب العالمي، وكذلك مع الأميركيين الأصليين والأميركيين السود والبنيين الذين عرفوها منذ قرون. ولكن، مع بثّ الإبادة الجماعية في غزة مباشرة، من المستحيل الحفاظ على هذه الكذبة.

نحن لا نوقف الإبادة الجماعية، لأننا مصابون بداء التفوق الأبيض، ومخمورون بسبب هيمنتنا على ثروة العالم، والقدرة على سحق الآخرين بأسلحتنا الصناعية.

يدركُ العالم خارج الحصون الصناعية في الشمال العالمي تمامًا أن مصير الفلسطينيين هو مصيرهم. نظرًا لأن تغيّر المناخ يعرض البقاء على قيد الحياة للخطر، ومع شحّ الموارد، تصبح الهجرة ضرورة حتمية للملايين، ومع انخفاض الغلة الزراعيّة، ومع غمر المناطق الساحلية، ومع انتشار الجفاف والحرائق البرية، ومع فشل الدول، ومع صعود حركات المقاومة المسلحة لمحاربة مضطهديها إلى جانب وكلائهم، فإن الإبادة الجماعية لن تكون حالة شاذة. سيكون هذا هو القاعدة. ضعفاء الأرض وفقراؤها، أولئك الذين أطلق عليهم فرانتز فانون “بائسو الأرض”، سيكونون الفلسطينيين القادمين.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات