الأحد 14/يوليو/2024

وقت الأزمات عصر البطولات.. هنا فلسطين

سامي علي

“الوحش يقتل ثائرًا

والأرض تنبت ألف ثائر!

يا كبرياء الجرح!

لو متنا لحاربت المقابر! فملاحم الدم في ترابكِ مالها فينا أواخر. حتى يعودَ القمحُ للفلاح يرقصُ في البيادر

ويُغرّدَ العصفور حين يشاء في عرس الأزهار

والشمس تشرق كل يوم.. في المواعيد البواكر”

محمود درويش

وقفت صحفيةٌ فلسطينيةٌ، في أحد المؤتمراتِ الدولية، والتي بها جانب إسرائيلي، وقالت: قلنا سنحارب، حتى آخر قطرة دم.

تهكّم بعضُ الحاضرين عليها قائلين: “وكيفَ ستحاربين وأنت تحملين طفلًا في أحشائك؟”، فأشارت إلى بطنها قائلةً بثقة: هو سيحاربكم، نحن الفلسطينيات، نحارب ببطوننا.

ولهذا السبب، يتعاملُ جنود الاحتلال مع الأطفال بلا رحمة، باعتبارهم مقاتلين حتى ولو لم يُولدوا بعدُ.

ظهرَ ذلك جليًا بعد تصاعُد العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين في قطاع غزةَ، حيث قامَ جنودُ الاحتلال الإسرائيلي بشنِّ هجماتٍ مكثفة في تلك المِنطقة، واجه خلالها، ومازال يواجه الفلسطينيون تحدياتٍ كبيرةً وتصعيدًا متزايدًا من قِبل جنود الاحتلال.

في هذا العالم المعقَّد، إذ تتلاقى الأصوات وتتبادل الآراء، ينبغي علينا أن ننظر بعمق إلى القضايا التي تتعلقُ بالشعوب والمجتمعات المظلومة، ففلسطينُ، بأرضها وشعبها، تمثلُ قضيةً مستمرة من القهر والصمود والبسالة.

وقت الأزمات هو عصر البطولات

اللقطة، التي رُويت في بداية هذا المقال تجسّد حقيقةً صلبةً عن الفلسطينيين، وهي أنهم يقاومون بشتّى الوسائل الممكنة، حتى الأمهات والنساء الحوامل يشاركن في هذه المقاومة.

قد تكون النُّطف التي تنمو في أحشاء الأمهات الفلسطينيات في طور النمو، ولكنها ستصبح جزءًا من هذا الصرح المقدّس للمقاومة.

قوة وإرادة الفلسطينيين لا تعرفان حدودًا حتى وإن كانوا يعيشون في ظروف صعبة، وتحيط بهم قوات الاحتلال والقمع، فإنهم يظلون ملتصقين بأرضهم وبأحلامهم في تحقيق الحرية والعدالة.

وهذه ليست قصة حدثت في مؤتمر دولي فقط، بل يوميات حيّة يختبرها الشعب الفلسطينيّ في كل يوم ولحظة.

التأثير الأخلاقي الدولي
ومع ذلك، الحق السليب الذي يُلقي بظلاله على قضية فلسطين ليس مقتصرًا على تجاهلِ المجتمع الدولي. فقد يتسبب الصمت المعتاد في تغطية هذه القضية العادلة في غياب العمل الحقيقيّ لتحقيق التغيير.

قد يظنُّ البعض أن تغيير الوضع مستحيلٌ، ولكن لا يمكن تجاهل حقيقة أن الصمود والثبات يمكن أن يغيّرا الواقع.

لوحة مفاتيح حاسوبي لا تتوقف عن الكتابة
فلسطين تلك البقعة من العالم الغارقة في أحداث التاريخ لا. لا.. ليست أحداث التاريخ، بل الغارقة في الأحداث التي يدوِّنها التاريخُ بشكل مستمر كالقلم الذي لا ينتهي مدادُه أو كحروف آلة كاتبة أو لوحة مفاتيح حاسوبي التي لا تتوقف عن الكتابة؛ لأن الأحداث دومًا مهمة ومستمرة، منذ أن سكنها العربُ الكنعانيون في النصف الثاني من الألفية الثالثة قبل ميلاد السيد المسيح، حيث بنى اليبوسيون الكنعان المدينةَ المقدسة أورشليم، المدينة الرمز لهذا البلد العريق مدينة السَّلام، وسكن شطآنها الفينيقيون الكنعانيون، وازدهرت حضارتهم، وساهمت في التاريخ الإنساني بدءًا من اختراعهم الأبجديةَ الفينيقيةَ المكونة من 22 حرفًا، حتى الفنّ والرسم والموسيقى.

وبعد ما يزيد عن ألف سنة بعد سكن العرب الكنعانيين هذه البقعةَ المقدسة، قدِم قوم آخرون هم العبرانيون، استضافهم الكنعانيون وأسكنوهم بينهم في الديار.

تأثر هؤلاء العبرانيون باللغة والفن والموسيقى الكنعانية، ألا تراهم كيف يرسمون الهيكلَ المزعوم؟ يرسمونه ذا أقواس وهو فن عربي قديم، ألا تسمع موسيقاهم؟

حقائق بديهية
يمرُّ التاريخ، حتى جاءنا قومٌ من وراء البحار والمحيطات يدّعون ما يدعون، اغتصبوا أرضَ فلسطين، وطردوا أهلها، وأقاموا دولتهم المزعومةَ عليها، وأسموها اسمًا آخر لم يكن له أي وجود بالتاريخ.

اليوم، نرى من يدافع عن وطنه ويهاجم المحتل الذي جثم على صدره طَوال أكثر من سبعين عامًا.

لن يسكت صاحبُ الحقّ أكثر من ذلك عن اغتصاب حقّه فى أرضه “فلسطين”، حتى يرجعه دون خشية أعدائه أو من يدعمهم ولا يبالي بمن يخذله حتى ينالَ النصر. فالحق يبقى حقًا لصاحبه، فكيف وهو “وطن”؟.

كل ما سبق من حقائق تبدو بسيطة في الفهم أو البيان، وما جرى اليوم هو بسيط بفهمه، لكن الذي آلت إليه الأمورُ أن من أصحاب هذا الحق، وفي الصف الأول يدافعون عن حقهم بكل بسالة، ويدافعون عن القيم الإنسانية والمعاني السامية، وكما رأينا كيف يجري ذلك في الواقع الذي نشاهده ونحن جاثمون أمام شاشات التلفزيون.

قلوبنا وجوارحنا معهم، ولكن يا للأسف، لا نملك أسيافًا، فأسيافنا قد أخذت منا منذ زمن، وحتى ألسنتنا وُضع عليها أقفال، مفاتيحها ليست معنا، أصبحنا مثل أموات، ولكن أموات من فئة عجيبة، تأكل وتشرب وترى وتسمع وأيضًا تتحرك، ولكن بلا رُوح.

ليس لنا إلا أن نقول: (لاحولَ ولاقوه الا بالله).

وفي النهاية، يجب أن نتذكر دائمًا أن قضية فلسطين هي قضية إنسانية تتعلق بحقوق الإنسان والعدالة.

ينبغي على المجتمع الدولي أن يتحد ويتخذ إجراءاتٍ فورية للحدّ من الاعتداءات الإسرائيلية، والمساواة في التعامل وَفقًا للمواثيق الدولية، والسعي إلى تحقيق سلام دائم في هذه المنطقة المضطربة.

وبالنسبة لي، لا أزال أرى أن القضيةَ الفلسطينية تجسّد إصرار وصمود الشعب الفلسطيني، ويجب أن نكون جميعًا جزءًا من هذا الصمود، ونعمل من أجل مستقبل يتّسم بالسلام والعدالة للجميع.

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات