الأربعاء 04/أكتوبر/2023

نضال فلسطينيي الخارج وتحولاته: بين رؤى التحرر ومشروع الدولة

نضال فلسطينيي الخارج وتحولاته: بين رؤى التحرر ومشروع الدولة

أصدر مركز الجزيرة للدراسات، دراسة بعنوان “نضال فلسطينيي الخارج وتحولاته: بين رؤى التحرر ومشروع الدولة”، للكاتب طارق حمود.

لا يحظى فلسطينيو الخارج بأولوية اهتمام الفاعلين السياسيين الفلسطينيين، رغم أنهم يشكِّلون أكثر من نصف الشعب الفلسطيني. وباستمرار تراجع عملية السلام، وتطور المواجهة الفلسطينية-الإسرائيلية، يمكنهم أن يحتلوا موقعًا أكثر تقدمًا من ذي قبل، لكن يعوزهم التنظيم والرؤية. هذا مما تناقشه الورقة من تحولات نضال فلسطيني الخارج.

نص الورقة:
نشأت القضية الفلسطينية بين عامي 1947-1949 قضيةَ لاجئين؛ حيث شرَّدت هجمات “العصابات الصهيونية” وأعمال الحرب حوالي 80٪ من مجموع الشعب الفلسطيني في أراضي العام 1948. وفيما توزع جزء منهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، توزعت النسبة الأكبر في دول الجوار العربي. ويُقدَّر الوجود الفلسطيني خارج فلسطين اليوم بحوالي 7 ملايين، ما يعادل أكثر من 50٪ بقليل من مجموع الشعب الفلسطيني، خاصةً بعد تشريد حوالي 300 ألف آخرين بعد حرب 1967(1). وبالرغم من الانتشار الواسع للفلسطينيين في شتى أنحاء العالم، لا يزال حوالي 70-75٪ من فلسطينيي الخارج يسكنون في الدول المحيطة بفلسطين، خاصة الأردن وسوريا ولبنان(2).

بحكم المكانة العددية لفلسطينيي الخارج، والظروف السياسية في البلدان العربية، فقد تطورت الحركة الوطنية الفلسطينية في بيئاتها بعد النكبة (أي بعد التهجير عام 1948)، حيث تعززت داخلها الكيانية السياسية المتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت أشبه بحكومة منفى تمركزت في ساحات الثقل السكاني والسياسي للفلسطينيين في الأردن ثم لبنان منذ أواخر الستينات حتى خروج المنظمة إلى تونس في 1982 كنتيجة لأحداث الحرب اللبنانية.

فقد الخارج دوره القيادي في النضال الفلسطيني مع التحولات التي رافقت دخول منظمة التحرير الفلسطينية إلى داخل الأراضي المحتلة، عام 1967، بموجب اتفاق أوسلو، عام 1993، والذي أنشأ السلطة الفلسطينية (عام 1994).

تحاول هذه الورقة تسليط الضوء على تحولات النضال الفلسطيني في الخارج، ومقاربة دور الخارج في بيئات الفعل المتاحة بين ظروف الدول المضيفة أو دول الطوق، وبين فرص البيئات الجديدة التي طورها تنامي الوجود الفلسطيني وأدواته في الغرب. ستراجع الورقة الرؤى السياسية الفلسطينية السائدة وتأثيراتها في تحديد اتجاهات الدور الوطني للخارج، وستتناول انعكاسات نضال الخارج على الفاعلين الفلسطينيين، واتجاهات تطور رؤيته السياسية. كما ستبحث الورقة طبيعة التفاعل النضالي القائم بين فلسطينيي الخارج في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهو تفاعل تتحدد إجابته بشكل أوضح من خلال تحديد الورقة لطبيعة النضال في الخارج وخصائصه وملامحه. وتختم الورقة باستشراف عام لمستقبل النضال الفلسطيني في الخارج.

الرؤى الفلسطينية السائدة وانعكاساتها على الدور الوطني للخارج
منذ خمسينات القرن الماضي، ومع تشكُّل الهوية السياسية للنضال الفلسطيني في أواسط الستينات من خلال إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، تشكَّلت واستمرّت قيادة العمل الوطني الفلسطيني في الخارج وذلك خلال الفترة بين 1964-1994، أي عبر ثلاثين عامًا(3). لقد انبثقت الرؤية السياسية ومشروع الفلسطينيين التحرري في الأصل من الوعي العام الذي خلَّفته معاناة اللاجئين الفلسطينيين، قبل تحولات النكسة (حرب 1967) التي رسمت حدودًا جديدة، جغرافية وسياسية(4). أي إن الخارج امتلك حضورًا وطنيًّا، وثقلًا سياسيًّا سمح له بتأسيس المشروع الوطني الفلسطيني ما بعد النكبة، وإطلاق أدواته التي تمثلت بالثورة الفلسطينية المعاصرة. وبما أن أوسلو أعاد رسم المشروع الوطني من مسار التحرير والكفاح المسلح إلى مسار بناء الدولة سلميًّا على قاعدة حل الدولتين و”قرارات الشرعية الدولية”، فقد استلزم ذلك تراجعًا لدور الخارج الذي تبلورت قيادته لمنظمة التحرير الفلسطينية عبر مشروع الكفاح المسلح(5). واقتضى تراجع دور المنظمة تحولًا في النضال الفلسطيني للخارج، أو ما يمكن تسميته في الأدبيات الأكاديمية “الدياسبورا الفلسطينية السياسية”. إن نجاح المنظمة في نقل مركز الثقل القيادي من الخارج إلى الأراضي الفلسطينية، لم ترافقه رؤية لربط الفلسطينيين في الخارج بمشروع الدولة الجديد(6)، وتحولت فاعلية الدور الوطني من الخارج إلى الداخل، عبر إنشاء مؤسسات محلية داخل الأرض المحتلة عام 1967، تضخمت بشكل كبير في إطار السلطة الفلسطينية، وهمشت تلقائيًّا فاعلية المؤسسات الوطنية الجامعة المرتبطة بالخارج مثل الصندوق القومي، ودائرة شؤون اللاجئين التي تراجع حضورها، بل ونافستها دائرة جديدة تحت اسم دائرة شؤون المغتربين، التي عرَّفت الجاليات الفلسطينية المهجَّرة قسرًا كمغتربين اقتصاديين ومهنيين(7). وهو ما أسَّس لتناقض بات فيه برنامج الشعب الفلسطيني في الداخل معزولًا عن تطلعات الشعب في الخارج، وبات التعريف السياسي للشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية محددًا في إطار سكاني وجغرافي لا ينتمي له معظم الشعب الفلسطيني في الخارج.

حتى اليوم، لم يجد الخارج الفلسطيني حيزًا لنضاله في حل الدولتين، الذين اقتضى تنازلًا غير مباشر عن حق العودة الذي يمثل جوهر المطلب الوطني للملايين السبعة خارج فلسطين، الذين ينحدرون، في غالبيتهم، من أراضي “الدولة الثانية”(8)، بحسب الرؤية الحالية للمنظمة(9). كما أن رؤية حل الدولتين واتفاقاتها أعادت تعريف من هو الفلسطيني (الذي يمتلك رقمًا وطنيًّا) من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة. فبعد اتفاق أوسلو، جرى نقل صلاحيات سجل السكان للجانب الفلسطيني الذي يصدر بطاقات الهوية وجوازات السفر لفلسطينيي الضفة والقطاع، وبموجب قانون الأحوال المدنية الصادر عن السلطة الفلسطينية، 1999، فإن بطاقة الهوية تُمنح لكل فلسطيني بلغ السادسة عشرة أو كل شخص حصل على الجنسية الفلسطينية(10). وهذا التعريف القانوني للفلسطيني يشمل فقط سكان الضفة الغربية وقطاع غزة الذين يميزهم وجود رقم وطني على بطاقات هويتهم الشخصية وجوازات سفرهم الصادرة عن السلطة الفلسطينية(11). وبهذا يكون حل الدولتين قد أسس لعزل الخارج عن المشروع الوطني الجديد الذي تبلور مشروعًا لبناء الدولة الفلسطينية عبر المفاوضات(12)، وهو مشروع قام على أساس ثنائية “جزء من الأرض وجزء من الشعب”. وعند الحديث عن الخارج، لا نتحدث بالضرورة عن قضية اللاجئين، رغم انتماء الخارج الفلسطيني لها، فحوالي 25٪ من اللاجئين الفلسطينيين يعيشون داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، أي إن ربع اللاجئين الفلسطينيين يرتبطون بمشروع الدولة الفلسطينية بحكم وجودهم في نطاقها الجغرافي والسكاني(13). لذلك، فإن الافتراق الحاصل بين الخارج والمشروع الوطني الجديد للمنظمة، أسهم في انكشاف الخارج وتعطيل جدوى الوجود الفلسطيني في محيط “الوطن المحتل”؛ ما سبَّب تراجعًا في فاعلية مساحات كبرى في التشكيل العام لفلسطيني الخارج. فهجرة فلسطينيي لبنان الذين تناقصت أعدادهم من حوالي نصف مليون إلى أقل من مئتي ألف في آخر إحصاء رسمي في لبنان، عام 2017(14)، هو مثال غير حصري على تآكل جبهة الخارج التي باتت متروكة بدون تمثيل أو برنامج عملي منذ تركز الثقل الوطني لصالح مشروع الدولة، الذي يواجه بدوره انسدادًا منذ أكثر من عقدين(15).

إن المصلحة الوطنية للخارج تنتمي إلى الفصل الأول والأساسي من فصول القضية الفلسطينية، وهي مصلحة تتفق مع تعريف القضية على أنها قضية شعب تعرض لعملية تطهير سكاني كبرى، وهي قضية تستند لمطلب جوهري هو حق العودة المرتبط بمشروع التحرر، لا مشروع بناء الدولة لجزء من الشعب على جزء من الأرض. لقد تفاقمت معضلة الخارج في عدم تقاطع مصلحته الوطنية مع رؤية الفاعلين الأساسيين غير منظمة التحرير. فالدولة العربية المضيفة خضعت للمرجعيات ذاتها التي أطلقها مؤتمر مدريد للسلام، سنة 1991، القائمة على قرارات الشرعية الدولية، خاصة القرار 242، الذي عالج المسألة الفلسطينية في حدود ما جرى بعد حرب 1967(16)، وحرف النقاش عن حق العودة إلى نزاع حدودي على الأراضي المحتلة في حرب 67. وبلور النظام الرسمي العربي لاحقًا رؤيته في المبادرة العربية للسلام، سنة 2002، التي تستند إلى حل الدولتين، مع إضافة لم تُضمَّن في النص الأساسي للمبادرة متعلقة بحل قضية اللاجئين وفق القرار 194، التي أُضيفت بضغط من الدول المضيفة على رأسها سوريا ولبنان(17). وعليه، فقد تعززت مشكلة الرؤية السياسية العربية بالنسبة للفلسطينيين في الخارج في مسارين: الأول: أنها وضعت رؤاها السياسية انسجامًا مع مشروع التسوية وحل الدولتين الذي يتجاوز نصف الشعب الفلسطيني الذي يقطن في الخارج. والثاني: أنها عالجت قضية فلسطينيي الخارج كمشكلة محلية خاصة بالدول المضيفة، لا كقضية قومية. فلبنان يقارب الوجود الفلسطيني لديه ضمن توازنه الطائفي وأزماته الداخلية، وسوريا في سياق تموضع النظام الحاكم وسياساته، والأردن ضمن تعريفات الشخصية الوطنية الأردنية. وبخصوص مطلب حق العودة تحديدًا، تتقاطع المصلحة المشتركة بين الدولة العربية المضيفة وفلسطينيي الخارج بشكل خاص في سوريا ولبنان، وهو موقف يحمل تعقيدات محلية وسياسية تجعل تأثيراته لا تتجاوز حدود معالجات وضع الكتلة السكانية الفلسطينية في هذه الدول ليس أكثر.

في الجانب المقابل، وبقدر ما كان لبروز حماس، فاعلًا رئيسيًّا في المشهد الفلسطيني، دور في إعادة إنتاج التعريفات الوطنية للمشروع الفلسطيني إلى أصولها، كانت معضلة الخارج لا تزال قائمة؛ حيث بقي فلسطينيو الخارج خارج مساحة التفاعل الرئيسية للرافعة الجديدة التي مثَّلتها حماس، بل أسهمت استراتيجيات حركة حماس بشكل غير مباشر في ترك الخارج دون دور خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بحكم تبني الحركة نطاق فعل جغرافيًّا ضمن حدود فلسطين التاريخية(18)؛ ما جعل من تنظيم “الخارج الفلسطيني” مسألة غير ذات أولوية كبيرة للحركة سواء من حيث الاهتمام أو الجدوى. فبخلاف منظمة التحرير الفلسطينية التي استوجبت قيادتها للمشروع الوطني من خارج فلسطين تنظيم فلسطينيي الخارج، قادت حماس جبهة المقاومة سياسيًّا من خارج فلسطين، وتجنَّبت تنظيم الفلسطينيين في الخارج، لأسباب لوجستية وسياسية(19). فوجود قيادة حماس في الأردن في فترة التسعينات كان مشروطًا بعدم الإخلال بالمعادلة المحلية الأردنية التي يمثل فيها الأردنيون من أصل فلسطيني أكثر عناصرها حساسيةً، فهم فلسطينيون من جهة ولهم توجهاتهم بهذا الاعتبار، ومواطنون أردنيون وقد ينتمون لأحزابها من جهة أخرى.

فيما ارتبط وجود حماس هناك أكثر بالمعادلة الإخوانية لأسباب تنظيمية، فعَمَّان تعاملت مع قيادة حماس السياسية في الخارج كفرع من جماعة الإخوان الأردنية، خاصة أن إخوان فلسطين والأردن كانوا، حتى عام 2009، تحت قيادة تنظيم واحد يُدْعى تنظيم بلاد الشام الذي ترأَّسه دومًا المراقب العام للإخوان الأردنيين(20). أما في لبنان، فحماس لم تؤسس تنظيمها الخاص داخل الوسط الفلسطيني إلا في أواسط التسعينات، وبشكل محدود، كان عماده اتفاقًا بين حماس والجماعة الإسلامية في لبنان على انتقال طوعي للعناصر الفلسطينية في الجماعة إلى أول تنظيم لحماس في المخيمات خارج فلسطين(21). وهو تنظيم بقي محدودًا ويغلب عليه الطابع الخدمي الاجتماعي، الخيري والدعوي، حتى انطلاق الانتفاضة الثانية (2000) في الداخل؛ حيث بدأت حماس بتوسيع رقعة نشاطها وتنظيمها(22). ومع نهاية عقد التسعينات، تموضعت قيادة حماس في سوريا بعد أزمتها مع الأردن وخروجها من هناك(23)، وعاشت قيادتها عقدها الذهبي في سوريا ضمن اتفاق غير مكتوب بأن تعمل الحركة في مساحات العمل السياسي والإعلامي الفلسطيني، وتتجنب تنظيم الفلسطينيين في صفوفها(24). هكذا كل ما سبق يشير إلى أن حضور حماس الفاعل سياسيًّا في الخارج، وقريبًا من تجمعات الفلسطينيين العظمى في دول الطوق خلال العقود الثلاثة الماضية، بدا قاصرًا عن بناء مشروع عملي لاستعادة دور الخارج ا

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات