الثلاثاء 16/يوليو/2024

الأسرى في العيد… نشد قوس الوقت وننسف الانتظار

عيسى قراقع

يحل عيد الأضحى ويتجدد انتظار الأسرى في سجون الاحتلال، فالمعركة داخل السجون هي معركة انتظار، من ينتظر أكثر، من يعض على أصابعه أولاً: السجين أم السجان، يكتفي الأسرى بإشعال فتيلة انتظار أخرى في كل عيد، يلبسون أجمل ما لديهم من ملابس، يمارسون عادات العيد في ساحة الفورة، يؤدون صلاة العيد الجماعية، يتزاورون بين الغرف والأقسام، يوزعون الحلويات، يتبادلون الرسائل والإشارات المخزونة في وجع الذكريات، يوجهون التحيات إلى أحبائهم الأحياء والرحمة إلى أحبائهم الأموات.

ما يقارب 5000 أسير وأسيرة فلسطينية ينتظرون سنوات وسنوات خلف القضبان، مرت مئات الأعياد والمناسبات المفرحة والمؤلمة، تقلب الطقس وامتزج الليل بالنهار وجرت الرياح والحروب وتوالدت الأجيال وصدئت الحيطان، تطورت وسائل السيطرة والقمع وما زال الأسرى صامدون بقدرتهم على الانتظار: انتظار يوم عيد آخر، سنة جديدة مختلفة، شمس مكتملة غير مسيجة، رواية أو قصيدة مفخخة، الأسرى سلحوا الانتظار بالأمل والفعل وعبئوا دمهم للساعات القادمة.

50 أسيراً يقضون أكثر من 20 عاماً من بينهم 29 أسيراً يقضون أكثر من 25 عاماً لا زالوا ينتظرون، هم على قناعة أن المُنتظَر لن يتأخر، سيأتي غداً، 700 أسير مريض ومعاق ومصاب ينتظرون، يراوغون أوجاعهم يحتالون على الموت، صار الانتظار في السجن هو عملية مقاومة بين الموت والحياة.

الأسرى كريم يونس وماهر يونس ونائل البرغوثي ينتظرون منذ 40 عاماً داخل سجون الاحتلال، لم يهرموا ولم يهنوا لأنهم يرون حياتهم في الآخرين الطلقاء، الأمس لا يتلاشى وفي الزوايا المعتمة شاهدوا وضوح السماء.

الأسير فؤاد الشوبكي شيخ الأسرى البالغ من العمر 85 عاماً ينتظر من يفجر الانتظار في صباح العيد، انتظار إشراقة الصبح لا يقل جمالا عن رؤيته، ياتي فتياً يثير الزوابع والانتباه.

542 أسيراً محكومين بالسجن المؤبد ينتظرون في المؤبد ولا ينطفئون، يوزعون هذا المؤبد على تفاصيل الأيام، يتشظى المؤبد وتزول وطأة الانتظار.

أراد الإسرائيليون وضع الأسرى في حالة انتظار طويلة ومملة بهدف دفنهم في اللا يقين، لسان حالهم يقول لكل أسير : إن لم يأخذك الموت فإن السجن ينغلق عليك ليصبح هو عالمك الدائم وقبرك القادم.

الانتظار هو مخطط إسرائيلي لجعل الأسرى يصلون إلى حالة فسيولوجية كالخوف من المستقبل والحرية، ملوحة الوقت، اليأس وغموض الأفق السياسي، صهر الكائن الحي في قوالب زمنية ومكانية جامدة، إفقاد التضحية أي معنى.

الانتظار في المفهوم الإسرائيلي هو عدوان على خطواتك المتحفزة الآتية، أن تتكلس ويصبح عالمك متنائيا وبعيدا… انسحاب الوقت من الذاكرة، استنفاذ ما لديك من طاقة، إخمادك إلى حد الاستسلام.

المحتلون الإسرائيليون وضعوا الشعب الفلسطيني في حالة انتظار: انتظار في السجن، انتظار على الحاجز العسكري، انتظار أن يفتحوا صنبور الماء او يشعلوا الكهرباء، انتظار المرور عن مئات المعابر، انتظار أن يتحرك المجتمع الدولي ويفرض التزاماته القانونية ويشحن مفعول مئات القرارات الغائبة.

الأسرى الفلسطينيون كسروا مفهوم الانتظار الإسرائيلي: حركوا ساعة الزمن المعطلة، إضرابات ومواجهات ومقاومة، الدفاع عن الكرامة والحرية وحق تقرير المصير، انتفاضات القيود تحت العاصفة.

الانتظار في السجن هو قنبلة الصبر بحد ذاتها: أن تكون لغيرك، تكتب لغيرك، تقرأ لغيرك، تحترق لغيرك، تعشق تلك المرأة التي تنتظرها ولا تراها، تتهدم روحك ثم تبنيها من جديد، الانتظار في السجن هو أن تضيء دائماً حتى تضح الطريق.

الانتظار أمام باب مغلق كالموت على قيد الحياة، لكن العيد في السجون يقرع كل عام الأبواب المغلقة، الأسرى يسمعونه، يمدون له أياديهم، يشدون قوس الوقت وينسفون الانتظار ويصنعون القرار، يسافرون في أحلامهم إلى أطفالهم وبيوتهم، الانتظار في السجن هو ان تتعلم ألا تنتظر.

* رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين السابق

 

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات