الإثنين 02/أكتوبر/2023

فلسطين: عين القلب وقدس الأقداس

فلسطين: عين القلب وقدس الأقداس

على رغم مرور زهاء عشر سنواتٍ على رحيل المفكر المصري المبدع جمال حمدان (1928-1993)، لم تتراجع أهمية المنظومة الفكرية التي شيدها وسعى من خلالها إلى الإجابة على كثيرٍ من الأسئلة المتعلقة بقضايا جوهرية مثل قضية المشروع الحضاري العربي وقضايا الهوية والانتماء، وقضية الصراع العربي-الصهيوني. بل يمكن القول إن كثيراً من الأسئلة التي طرحها جمال حمدان، ولا سيما فيما يخص وضع الكيان الصهيوني وطبيعته ومستقبله، لا تزال تمثل إشكالياتٍ أساسية أمام الفكر العربي، وهو ما يجعل من إلقاء الضوء على بعض أفكاره في هذا الصدد أمراً ضرورياً وملحَّاً وغير منبت الصلة بما يشهده مسار الصراع العربي-الصهيوني من تطوراتٍ متلاحقة.

 

ومما يزيد من أهمية العودة إلى كتابات جمال حمدان في هذا الوقت تحديداً أنه لا ينتمي إلى المدرسة المعلوماتية التراكمية التي ينصب اهتمامها في المقام الأول على حشد أكبر عددٍ ممكن من أحدث البيانات والمعلومات، والتي قد تكون متضاربة أو متناقضة، ورصها جنباً إلى جنبٍ دون إدراكٍ للمعنى الكامن وراءها ومظاهر التحيز التي تنطوي عليها والسياق الذي تنبع منه. فنقطة البدء في كل دراساته هي القلق الوجودي العميق إزاء تساؤلاتٍ جوهرية، والسعي إلى صياغة مشروعٍ فكري متكامل يتسم بالتركيب والمنظور النقدي والرؤية الشاملة التي لا تغفل في الوقت نفسه خصوصية الظواهر التي تخضع للدراسة وعلاقة الجزء بالكل.

 

فأين يقع الكيان الصهيوني في إطار هذه المنظومة الفكرية؟ وما هي طبيعته؟ وما علاقته بالأمن القومي المصري والعربي؟ يعبِّر جمال حمدان عن رأيه في هذه القضايا بإيجاز من خلال سلسلة من المعادلات الاستراتيجية على النحو التالي:

 

مَنْ يسيطر على فلسطين.. يهدِّد خط دفاع سيناء الأول.

مَنْ يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط.. يتحكم في سيناء.

مَنْ يسيطر على سيناء.. يتحكم في خط دفاع مصر الأخير.

مَنْ يسيطر على خط دفاع مصر الأخير.. يهدِّد الوادي.

 

وهذه بالضبط نواة نظرية الأمن المصري (د. عمر الفاروق، ثلاثية حمدان، ص228). إن موقع مصر مهدد أبداً وبانتظام بالإجهاض والشلل الجزئي ما بقيت “إسرائيل” خاصةً وأنها تريد أن ترث دور القناة نهائياً، بل وتهدف إلى سرقة موقع مصر الجغرافي، ومن ثم يصبح المبدأ الاستراتيجي الأول في نظرية الأمن المصري هو مرةً أخرى: دافع عن سيناء – تدافع عن القناة.. تدافع عن مصر جميعاً، ولا ضمان بالتالي إلا بذهاب العدو (ثلاثية جمال حمدان، ص 228).

 

ويحدد جمال حمدان دوائر ثلاثاً تقع في إطارها مصر. ففي الدائرة الأولى نجد مصر محكوماً عليها بالعروبة (بعد أن دخل الجد الفرعوني المتحف)، فهي لا تستطيع أن تنسحب من عروبتها، أن تنضُوها عن نفسها حتى لو أرادت (ثلاثية جمال حمدان، ص 24). بل إنها محكوم عليها بأن تتصدر العالم العربي الذي تقع فلسطين في منتصفه، لكن بدلاً من فلسطين التي توحد شطريه (والتي تمثل) نقطة عبور بينهما، تظهر “إسرائيل” التي تمثل فاصلاً أرضياً يمزق اتصال المنطقة العربية ويخرب تجانسها ويمنع وحدتها، فهي إسفنجة غير قابلة للتشبع تمتص كل طاقاتها ونزيفاً مزمناً في مواردها وأداة جاهزة لضرب حركة التحرير (جمال حمدان، استراتيجية الاستعمار والتحرير، ص 175).

 

وفي الدائرة الثانية، أي الدائرة الإسلامية، نجد أن فلسطين عين القلب من العالم الإسلامي، لا جغرافياً فحسب، بل ودينياً أولاً وقبل كل شيء. إن يكن العالم العربي هو قلب العالم الإسلامي روحياً وموقعاً، فإن فلسطين – كمصر في هذا الصدد – هي أرض الزاوية في العالم الإسلامي طبيعياً. وبالفعل فإنها تقع في صرة العالم الإسلامي تتوسطه – ما بين الصين شرقاً والأطلسي غرباً وما بين وسط آسيا شمالاً وجنوب أفريقيا جنوباً، إن مكانة فلسطين في العالم الإسلامي تتلخص ببساطة وبما فيه الكفاية في أنها من منطقة النواة وقدس الأقداس فيه أرضاً وديناً (جمال حمدان، العالم الإسلامي المعاصر، ص 208)·

 

ثم تلتحم الدائرتان العربية والإسلامية فالخطر الصهيوني لا يستهدف الأرض المقدسة في فلسطين فحسب، وإنما يمتد من النيل إلى الفرات شرقاً بغرب، ومن الإسكندرية حتى المدينة شمالاً بجنوب. وهذا وذاك يعني نصف المشرق العربي بالتقريب، ويضم كل أرض الإسلام المقدسة، بل وكل دائرة الرسالات، ويرادف قلب العالم العربي، وفي الوقت نفسه صرة العالم الإسلامي (العالم الإسلامي المعاصر، ص 215). ولذا إن كان ثمة للعالم الإسلامي من وحدة سياسية، فهي وحدة العمل السياسي، وهو العمل من أجل إنقاذ واستنفاذ فلسطين للعروبة والإسلام. وإذا كان من واجب العالم العربي أن يدعو إلى قومية المعركة، فإن من واجب العالم الإسلامي -كما يرى كثيرون- أن يتنادى إلى إسلامية المعركة (العالم الإسلامي المعاصر، ص 216-217).

 

وتتسع الدوائر لتصل إلى الدائرة الإفريقية الآسيوية.. وهنا أيضاً سنجد “إسرائيل” أخطر مناطق العدوانية الإمبريالية في العالم الثالث.. أخطر مناطق التسليح الغربي.. ترسانة أميركية مسلحة حتى الأسنان. ويضع جمال حمدان ما يسميه معادلة عالمية تتألف من عدة متتاليات إقليمية تختزل أساسيات الصراع المستقبلي:

 

مصير الإمبريالية العالمية يتوقف على مصير العالم الثالث.

مصير العالم الثالث يتوقف على مصير العالم العربي.

مصير العالم العربي يتوقف على مصير فلسطين/”إسرائيل”.

 

“إسرائيل”، إذاً، ذات أهميةٍ خاصة بالنسبة لجمال حمدان، ولكنها ليست مهمة في ذاتها، بل تنبع أهميتها من أهمية فلسطين بالنسبة لمصر والعالم العربي والعالم الإسلامي والعالم الإفريقي/الآسيوي ثم التشكيل الاستعماري الغربي.

 

وينظر جمال حمدان إلى “إسرائيل” باعتبارها ظاهرة غربية بالدرجة الأولى، ثم تأتي العناصر اليهودية لهذه الظاهرة في المقام الثاني، فهو يصف “إسرائيل” بأنها ظاهرة استعمارية صرفة (استراتيجية الاستعمار والتحرير، ص 119)، فهي قطعة من الاستعمار الغربي، ولكنها قطعة ذات مكانة خاصة فهي بالنسبة إليه قاعدة متكاملة آمنة عسكرياً، ورأس جسر ثابت إستراتيجياً، ووكيل عام اقتصادياً، وعميل خاص احتكارياً (استراتيجية الاستعمار والتحرير، ص 175)· ومن ثم، فالصهيونية اليوم هي بلا مبالغة أو مزايدة أكبر خطر وتحدٍ يواجه العلم الإسلامي المعاصر، تماماً كما يواجهه العالم العربي (العالم الإسلامي المعاصر، ص 215).

 

تُرى، هل يمكن للمرء في ضوء مخططات التوسع والهيمنة الإسرائيلية المستمرة والدور المنوط بها في الاستراتيجية الغربية في الوقت الراهن أن يصل إلى نتائج مغايرة لما توصل إليه جمال حمدان قبل عدة عقودٍ؟

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات