عاجل

الإثنين 11/ديسمبر/2023

لن نسقط كما سقطتم

د.إبراهيم حمّامي
حتى أسابيع قليلة مضت كانت رؤوس التفريط والبيع والتنازل في فلسطين تتوارى وتخجل من المطالبة العلنية الصريحة بالاعتراف بالاحتلال وشرعيته، وتنتهج في سبيل ذلك طرقاً التفافية مراوغة وصولاً لتلك الغاية أما من خلال المطالبة بالاعتراف بوثيقة الاستقلال الورقية الوهمية، أو من خلال تبني اتفاقات منظمة التحرير الفلسطينية المهينة أو الالتزام بالمبادرة العربية، لكن ومع فشل محاولاتهم اليائسة البائسة بإعادة استنساخ اعتراف آخر يضاف لاعتراف 09/09/1993 الذي وقعه عرفات واعترف فيه بالاحتلال وشرعيته مقابل اعتراف سخيف بشرعية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني دون أي اعتراف بحقوق للشعب الفلسطيني، بدأت الأقنعة تتساقط من على وجوه كالحة وصارت المطالبات بالاعتراف بالاحتلال وشرعيته علنية صريحة مباشرة، بل شرطاً لا حياد عنه لتشكيل أي حكومة وإلا فالانقلاب على كل شيء والتهديد والتلويح بالاقتتال والفتنة، أضحت المطالب دون رتوش أو مجملات، وازدادت جلاءً ووضوحاً بعد عودة عبّاس من جولته الأخيرة منتفخ الأوداج، نافخ الأرياش، وقد حصل على الوكالة الحصرية كممثل للاحتلال ومصالحه، وحريصاً أوحداً على أمنه وراحته، لتصبح أهم أولوياته وبطاقة قصوى إطلاق سراح الجندي الأسير في غزة.

في الوقت الذي تنشط فيه المحاولات الحثيثة المسعورة للقفز والالتفاف على خيار الشعب الفلسطيني وصولاً لاسترضاء المحتل حتى يتكرم على وكيله بلقاء مبارك مقدس مع سفاحيه، يكون تكراراً للقاء السابق بعد سويعات من مجزرة شاطيء غزة، ليتعانق عباس مع أولمرت وبيريز ويتبادل الجميع القبلات والأحضان والابتسامات والقهقهات على الشاشات، في هذا الوقت بالذات يرفض عبّاس التوجه إلى غزة من اجل استكمال حوار قام هو بتجميده قبل سفره الأخير، يرفض عبّاس اللقاء لأن من سيلتقي معهم لم يقبلوا بشروطه وبرنامجه ونهجه، لأنهم رفضوا أن ينضموا لقافلة البيع، وهو ما يستحق أن يتمنع عن لقائهم والحديث معهم، أما أولمرت وبيريز وباقي جزاري شعبنا فهو على أتم الاستعداد للقائهم دون قيد أو شرط، في أي مكان أو زمان، فهو رهن الإشارة وعلى استعداد أن يطير لآخر الدنيا من أجل قبلات أخرى وعناق أخوي وأحضان دافئة تجمعه مع شركاء السلام، أما غزة وشركاء الوطن والألم فلا وألف لا فشروطه لا حياد عنها، وبرنامجه لا بديل له، وهو برنامج بسيط سهل يتكون من كلمتين لا ثالث لهما: “الاعتراف بإسرائيل”، فهو الثابت الذي لا يتغير فقد كان يوماً “عرّاب أوسلو” وأضحى في آخر أيام عرفات “كرزاي فلسطين” ويتحول اليوم من “كوهين فلسطين” إلى “عبّاس النخّاس”.

عبّاس النخّاس بضاعته “الاعتراف بالاحتلال”، والثمن العاجل رواتب وأموال مغموسة بالذل والمهانة والشروط السياسية، والثمن الآجل رأس المقاومة وصمود الشعب، والتفريط بما تبقى من حقوق وثوابت وعلى رأسها حق العودة الذي فرط فيه عبّاس وللمرة الألف من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر ليكون الحل بنظره “عادل ومتفق عليه” وهي العبارة التي تعني إسقاط حق العودة تماماً، وقد سبق لي أن تحديته ومن معهم أن يحددوا إلى أين تكون العودة وكيفيتها.

مع عبّاس تشترك مجموعة أخرى من الكواهين الكبار والصغار، ومجموعة أخرى من الأذناب والأتباع، تجمعهم مصالحهم الشخصية واسترضاء المحتل، والسهر على راحته وأمنه، همهم الفلسطيني المصلحة الوطنية العليا، التي هي بنظرهم الرضوخ والخنوع للمحتل والاعتراف به، وهدفهم برنامج وطني لحكومة وطنية، وهذا لا يكون إلا من خلال برنامج عبّاس دون زيادة أو نقصان، وخيارهم هو خيار الشعب الفلسطيني، لا عن طريق الانتخابات لكن كما يرتضون له فهم الأحرص والأدرى بمصالح الشعب، وكل ذلك لا يتأتى إلا عن طريق الاعتراف بالمحتل، فهل هناك أيسر من تلك الطريق؟ وهل نحتاج بعد ذلك لانتخابات وبرامج متعددة وأحزاب وفصائل؟ لا أعتقد فبرنامج عبّاس على الجميع أن يرضخ له سواءً فازوا في الانتخابات أم لم يفوزوا، وهنا قمة المصلحة الاقتصادية في توفير مصاريف الانتخابات وحملاتها التي مولت لبعض الفصائل من أموال الشعب وقوته، فلا حاجة لانتخابات بعد اليوم وبرنامج الشعب الفلسطيني الوحيد الأوحد هو “الاعتراف بإسرائيل”، وعلى الجميع أن يذوب في منهج الفساد والإفساد تحت راية التفريط والتنازل في سوق عبّاس النخّاس.

رغم افتضاح أمر هذه الزمرة ومطالبها بالرضوخ للمحتل والاعتراف به وبجرائمه، لازال البعض يتبجح أنه لا أحد يطالب الآخرين بالاعتراف، بل تصل بهم درجة الاستغفال للقول بأن أحداً لم يعترف بالاحتلال، فهذا دحلان في تسجيله الفاضح الشهير يقول أن فتح لم تعترف ب”إسرائيل” ويكرر عريقات ذلك في أكثر من مناسبة، ويزيد عبّاس زكي ليقول “أنه عيب هذا الكلام”، لكن تأبى أخلاقهم وتصرفاتهم إلا أن تفضحهم لتلحقها أقوالهم، فخلال اليومين الماضيين فقط صدرت دعوات للاعتراف المباشر والصريح بالاحتلال كشرط مسبق لأي حكومة تشارك فيها فتح من كل من عزام الأحمد ونبيل أبو ردينة وأحمد عبد الرحمن وصائب عريقات ونبيل شعث وياسر عبد ربه، إضافة لمجموعة التابعين الأصغر كمقداد ونزال والزعارير، ومعهم بقية من أعضاء التشريعي عن حركة فتح ممن لازالوا يعيشون عقلية الفاكهاني، ليهددوا بحجب الثقة وإسقاط الحكومة وهم أعجز من ذلك كماً وحجماً ودوراً، لكن السؤال الأهم هل حقاً لم تعترف حركة فتح ب”إسرائيل”؟
لن أتحدث هنا عن أفعال أشد وقعاً من الأقوال كعقد الصفقات والاتفاقات واللقاءات والتنسيق وتعديل وإلغاء الميثاق وغيرها من أفعال الخزي التي قامت بها الفئة المتنفذة من فتح، لكن لنستعرض نواحي قانونية بحتة فيها الرد على كل الأدعياء:

• من وقع وثيقة الاعتراف بشرعية الاحتلال مقابل الاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي ووحيد دون حقوق تذكر بتاريخ 09/09/1993 كان ياسر عرفات، وهو نفسه كان زعيم حركة فتح ورمزها ورئيسها وكل شيء فيها، لم تعترض فتح ولم تطرده من صفوفها، ولم تتمرد عليه أو تحاسبه بل قوبل كبطل للسلام، ويكفي أن نذكر أن حركة فتح طردت بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة العشرات من أبنائها لأنهم ترشحوا كمستقلين، فهل ترفض فتح الاعتراف وتبقي عرفات رئيساً لها؟
• اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني الفلسطيني وباقي مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية أقروا الاعتراف والاتفاقات الموقعة وهي المؤسسات التي تهيمن عليها حركة فتح بأكثر من الثلثين فكيف يمكن أن ترفض فتح الاعتراف وتقر أغلبيتها به؟

• منظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت الاتفاق بحسب ما يحلو للبعض التذكير به هي الإطار العام الذي يجمع تحته من وافق على الاعتراف، بمعنى أن فتح وباقي الفصائل المنضوية تحت منظمة التحرير الفلسطينية أقرت وبصمت ووافقت على هذا الاعتراف، ما لم ترفضه صراحة وما لم تقم بالانسحاب أو تجميد أو تعليق العضوية من هذه المنظمة، فالعام “م ت ف” يلزم الخاص “فتح”.
• لم يطلب أي طرف من فتح الاعتراف الانفرادي بالاحتلال كما يحصل اليوم مع حركة حماس، لأن الجميع يعلم أن فتح لم تعترف بالاحتلال وحسب، بل تحاول جر الجميع لهذا الاعتراف.

• عبّاس الذي قال وفي أكثر من مناسبة أنه يضمن أن أي حكومة فلسطينية ستعترف بالاحتلال لا زال رأس حركة فتح وزعيمها الذي يصطف خلفه الجميع من أدعياء وشرفاء على حد سواء.
الذين يرفعون صوتهم اليوم مطالبين الآخرين بالاعتراف بشرعية الاحتلال هم في حقيقة الأمر إما أغبياء جهلاء، أو عملاء، لأنه لو اعترفت حماس بالاحتلال لما عادت هناك حاجة لهم ولأمثالهم ليطالبوا بذلك، بل لانتفت الحاجة لحكومة وحدة وطنية يطالبون بها الآن بعد أن رفضوها وبشرطهم الوحيد “الاعتراف بإسرائيل”، ولما أصبح لعباس وشعث وعريقات ودحلان وعبد ربه وباقي الزمرة ضرورة تذكر، فمجرد اعتراف حماس سيعترف بها العالم وتتدفق الأموال المذلة أضعاف ما يستطيع أن يأمنه عبّاس، لكن هؤلاء ليسوا بأغبياء أو جهلاء، وهم يعلمون تماماً أن دورهم سينتهي باعتراف حماس بالاحتلال كما يحلمون، لكنه دورهم المرسوم في خدمة الاحتلال والسهر على راحته وأمنه، وتأمين ركوع الشعب الفلسطيني له ولجرائمه، فهم كواهين فلسطين، وهم بائعو فلسطين، وعم وكلاء الاحتلال بجدارة.

الخيانة أيها السادة لم تعد فقط وجهة نظر كما قال أحد قادة فتح قبل عقود من الزمن، بل باتت مصلحة وطنية عليا لا حياد عنها، الخيانة اليوم يروج لها تحت ذريعة لقمة العيش والرواتب، الخيانة اليوم اسمها التنسيق الأمني، وواجهتها اللقاءات الحارة والعناق والتقبيل، الخيانة أصبحت منهجاً مدروساً له قيادات وأبواق، الخيانة أضحت هي الأساس الذي يجب على الجميع أن يتبعه، الخيانة اليوم هي بيع وتفريط واستسلام في صورة تمسك ببرامج قابلة للتسويق دولياً، وبعد كل ذلك يخرج علينا الأبوات والأبواق وبوقاحة العاهرات ليطالبوا الشعب البطل الصابر المصابر والمتمسك بحقوقه ببيع كل شيء مقابل دراهم معدودات، ثمن بخس في سوق نخاستهم.
لسان حال هؤلاء يقول لن نكون زناة وحدنا، لن نمارس العهر بمفردنا، اسقطوا جميعاً كما سقطنا، فرطوا كما فرطنا، بيعوا كما بعنا، خونوا حتى لا نصبح وحدنا الخونة!

عليكم أيها النخّاسون أن تعلموا أن طريق فلسطيننا لا يمر عبر أوسلو، وأن برنامج شعبنا لا يشمل الاعتراف للمحتل بما اغتصبه، وأن خيار جماهيرنا ليس التفريط والاستسلام، وأن حقوقنا وثوابتنا ليست للبيع في مزادكم الرخيص، وأن قضيتنا لن تختزل في صراع حول حكومة وسلطة ومناصب وهمية باتت وصمة عار في جبين شعبنا، وأن هدفنا هو التحرير والعودة إلى كل بقعة في فلسطيننا الحبيبة، وأننا لن نسقط ونبيع ونخون كما فعلتم وتفعلون.

اعلموا يا من بعتم وفرطتم وتنازلتم وتاجرتم بأن نهج الخيانة الذي تروجون له وتطالبون به وتدعون له لن يكون ولن يمر، واعلموا أن الشعب الفلسطيني أكبر من الجميع، وأنه حتى لو جررتم حماس لمستنقعكم لا سمح الله، فسيبقى الشعب عصياً عليكم متمسكاً بحقوقه ما بقي لنا طفل يرضع، واعلموا أن انكشاف عوراتكم خلال هذا الأسبوع وتعرية مواقفكم وانكشافكم هو دليل آخر على انحطاطكم وسقوطكم، والأهم أن تعلموا وتتيقنوا وتدركوا وتتأكدوا وتستوعبوا أننا:
لن نسقط كما سقطتم

الرابط المختصر:

تم النسخ

مختارات